النتيجة القطعية لهذا الإيحاء أن يضيق أكثر الناس ذرعا بهذا الميراث القديم الذي يراد فرضه على المجتمع في عصر كل ما فيه متطور ومتقدم وجديد .
والواقع أن إطلاق هذا الشعار على الأحكام الإسلامية ، ليس في مصدره خطيئة عفوية ، وإنما هو حلقة في سلسلة حرب الإسلام بالشعارات الباطلة والمدسوسة .
فالغرض الأول من ترويج كلمة ( التقاليد الإسلامية ) ، هو أن يؤتى بمعظم نظم الإسلام وأحكامه ، ويسدل فوقها شعار ( التقاليد ) حتى إذا مرّ على ذلك زمن ، وارتبط معنى التقاليد بنظم الإسلام وأحكامه في أذهان الناس ، ونسوا أن هذه النظم إنما هي في حقيقتها مبادئ قائمة على أساس ما يقتضيه العقل والبحث السليم ، أصبح من السهل على أعداء الإسلام أن يحاربوه من النقطة التي تنفذ إليها حرابهم وسهامهم .
إن جميع ما أتى به الإسلام من نظم وتشريعات ، إنما هو مبادئ والمبدأ هو ما يقوم على أساس من التفكير والعقل ، ويستهدف الوصول إلى مقصد معين . وإذا كانت المبادئ البشرية قد تخطئ الصواب أحيانا لشذوذ في أفكار أصحابها ، فإن مبادئ الإسلام لا تخطئ الصواب أبدا لأن الذي شرعها هو خالق العقول والأفكار . وفي هذا وحده دليل عقلي كاف للاقتناع بهذه المبادئ واليقين بوجاهتها وصوابها .
إذ لا ريب أن المسلمين إذا استفاقوا ليجدوا معظم مبادئ الإسلام وأحكامه ، كشؤون الزواج والطلاق ، وحجاب المرأة وصيانتها ، وعامة قضايا السلوك والأخلاق ، قد أسبل من فوقه رداء ( التقاليد ) ، فإن من الطبيعي أن يجدوا بعد ذلك من يدعو إلى نبذ التقاليد والخروج عن أسرها وكسر قيودها ، خصوصا في هذا العصر الذي أصبحت السيادة فيه لحرية الرأي والتفكير .
ولكن الحقيقة أن الإسلام لا تقاليد فيه .
إنه الدين الذي جاء لتخليص العقل من براثن التقاليد ، كما رأينا في أولى خطوات الدعوة التي قام بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم .
أما التقاليد ، فإنما هي تلك التيارات السلوكية التي ينجرف فيها الناس تلقائيا بمجرد باعث المحاكاة والتقليد لدى الإنسان .
المبادئ ، هي الخط الذي يجب أن ينضبط به تطور الزمن ، لا العكس .
والتقاليد ، هي مجموعة الطفيليات التي تنبت تلقائيا وسط الحقول الفكرية للمجتمع . فهي الحشائش الضارة التي لا بد من اجتثاثها وتنقية سبيل التفكير السليم عنها .
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة — صفحة 76
مساهمون: محمد سعيد رمضان البوطي
ص٧٦