وكان رد الفعل من قريش أمام جهره بالدعوة ، أن أدبروا عنه وتنكروا لدعوته معتذرين بأنهم لا يستطيعون أن يتركوا الدين الذي ورثوه عن آبائهم وأصبح من تقاليد حياتهم . وحينئذ نبههم الرسول صلّى اللّه عليه وسلم إلى ضرورة تحرير أفكارهم وعقولهم من عبودية الاتّباع والتقليد ، واستعمال العقل والمنطق ، وأوضح لهم أن آلهتهم التي يعكفون على عبادتها لا تفيدهم أو تضرهم شيئا ، وأن توارث آبائهم وأجدادهم لعبادتها ليس عذرا في اتباعهم بدون دافع إلا دافع التقليد ، كما قال عز وجل في حقهم :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ ، قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ
! ؟ [ المائدة 5 / 104 ] .
فلما عاب آلهتهم ، وسفه أحلامهم ، وجرّ اعتذارهم عن تمسكهم بعبادة الأصنام أنها تقاليد آبائهم وأجدادهم ، إلى وصف آبائهم بعدم العقل ، أعظموا الأمر ، وناكروه ، وأجمعوا خلافه وعدوانه ، إلا من عصم اللّه تعالى منهم بالإسلام ، وإلّا عمه أبا طالب الذي حدب عليه ، ومنعه ، وقام دونه .
العبر والعظات :
في هذا المقطع من سيرته عليه الصلاة والسلام دلالات ثلاث نجملها فيما يلي :
أولا - أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، حينما صدع بالدعوة إلى الإسلام في قريش وعامة العرب ، فاجأهم بما لم يكونوا يتوقعونه أو يألفونه . تجد ذلك واضحا في ردّ أبي لهب عليه ، ثم في اتفاق معظم المشركين من زعماء قريش على معاداته ومقاومته .
وفي ذلك الردّ القاطع على من يحاولون تصوير هذا الدين بشرعته وأحكامه ، ثمرة من ثمار القومية ويدعون أن محمدا عليه الصلاة والسلام إنما كان يمثل بدعوته التي دعا إليها ، آمال العرب ومطامحهم في ذلك الحين .
وليس الباحث بحاجة إلى أن يتعب نفسه بأي ردّ أو مناقشة لهذه الدعوى المضحكة عندما يطلع على سيرة النبي صلّى اللّه عليه وسلم . فالذين يروجون لها بين الناس هم أول من يعلم سخفها وبطلانها .
ولكنها على كل حال دعوى لابد منها في نظرهم من أجل إزاحة الدين وسلطانه عن سبيل المبادئ والأفكار الأخرى . فليس المهم أن تكون الدعوى صحيحة حتى يمكن الترويج لها ، ولكن المهم أن تكون مصلحتهم وأغراضهم تتطلب ترويج ذلك وادعاءه ، ولعلك لم تنس ما ذكرناه مفصلا في المقدمة الخامسة بصدد هذا الموضوع .
ثانيا - كان من الممكن أن لا يأمر اللّه رسوله بإنذار عشيرته وذوي قرباه خاصة ، اكتفاء بعموم أمره الآخر وهو قوله :
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
إذ يدخل أفراد عشيرته وذوو قرباه في عموم الذين سيصدع أمامهم بالدعوة والإنذار ، فما الحكمة من خصوصية الأمر بإنذار العشيرة ؟