تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧

الجاهليّة وما كان فيها من بقايا الحنيفيّة

وهذه أيضا مقدمة هامة لا بد من دراستها قبل الخوض في أبحاث السيرة وما فيها من فقه وعظات ، إذ هي تنطوي على حقيقة لا يزال خصوم هذا الدين يطمسون عليها ويزيفونها بأشكال من الوهم والأباطيل . وخلاصة هذه الحقيقة أن الإسلام ليس إلا امتدادا للحنيفية السمحة التي بعث اللّه بها أبا الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وقد صرح بذلك كتاب اللّه جل جلاله في آيات كثيرة منها قوله :
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا . .
[ الحج 22 / 78 ] . ومنها قوله :
قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[ آل عمران 3 / 95 ] . وأنت خبير أن العرب هم أولاد إسماعيل عليه الصلاة والسلام ، فكان أن توارثوا ملة أبيهم ومنهاجه الذي بعث به من توحيد اللّه وعبادته والوقوف عند حدوده وتقديس حرماته ، وفي مقدمة ذلك تعظيم البيت الحرام وتقديسه واحترام شعائره والذود عنه والقيام بخدمته وسدانته . فلما امتدت بهم القرون وطال عليهم الأمد ، أخذوا يخلطون الحق الذي توارثوه بكثير من الباطل الذي تسلل إليهم ، شأن سائر الأمم والشعوب عندما يغشاها الجهل ويبعد بها العهد ويندسّ بين صفوفها المشعوذون والمبطلون . فدخل فيهم الشرك واعتادوا عبادة الأصنام وتسللت إليهم التقاليد الباطلة والأخلاق الفاحشة ، فابتعدوا بذلك عن ضياء التوحيد وعن منهج الحنيفية وعمت بينهم الجاهلية التي رانت عليهم أمدا من الدهر ، ثم انقشعت عنهم ببعثة محمد عليه الصلاة والسلام . وكان أول من أدخل فيهم الشرك وحملهم على عبادة الأصنام عمرو بن لحيّ بن قمعة جد خزاعة . روى ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، أن أبا صالح السمان حدثه ، أنه سمع أبا هريرة يقول : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول لأكثم بن جون الخزاعي : « يا أكثم ، رأيت عمرو بن لحيّ بن قمعة بن خندف يجرّ قصبه في النار ، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا بك منه ، فقال أكثم : عسى أن يضرني شبهه يا رسول اللّه ؟ قال : لا ، إنك مؤمن وهو كافر ، إنه كان