وبنى عليه الصلاة والسلام بميمونة في طريقه إلى المدينة في مكان اسمه ( سرف ) قرب التنعيم .
ثم انصرف إلى المدينة في ذي الحجة .
العبر والعظات :
هذه العمرة تعتبر تصديقا إلهيا لما وعد به عليه الصلاة والسلام أصحابه من دخولهم مكة وطوافهم بالبيت . وقد رأيت كيف سأل عمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أثناء صلح الحديبية : « أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ؟ فأجابه : بلى أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا ؟ قال :
لا . قال : فإنك آتيه ومطوّف به » .
فهذا هو مصداق وعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وقد نبه اللّه عز وجل عباده إلى هذا التصديق في قوله :
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ ، فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً
[ الفتح 48 / 27 ] .
ثم إن هذه العمرة انطوت على معنى تمهيدي للفتح الكبير الذي جاء من بعده . فقد كان لمرأى ذلك العدد الوفير من الأنصار والمهاجرين وهم محدقون برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في طوافهم وسعيهم وسائر مناسكهم ، في حماس ونشاط غير مأمولين منهم فيما كان يتصوره المشركون ، كان لذلك أثر بعيد في نفوسهم ، فقد داخلتها الرهبة منهم إذ فوجئوا بعكس ما كانوا يتصورون فيهم من الضعف والخمول بسبب ما قد يحتمل أن يكونوا قد أصيبوا به من حّمى يثرب وسوء مناخها . روى الإمام مسلم عن ابن عباس أن المشركين لما رأوا رمل المسلمين حول الكعبة وفي المسعى قالوا بعضهم لبعضهم :
« هؤلاء الذين زعمتم أن الحّمى قد وهنتهم ؟ ! . . هؤلاء أجلد من كذا وكذا » « 35 » .
لا جرم أن كان لهذه العمرة إذن - بالشكل الذي تمت به - أثر بالغ في نفوس المشركين مهّد لفتح مكة فتحا سلميا كما سترى فيما بعد .
ثم إننا نأخذ من عمرة القضاء ما يلي :
أولا : استحباب الاضطباع والهرولة في طواف الأشواط الثلاثة الأولى ، اتباعا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في ذلك . وإنما يستحب ذلك في طواف يعقبه سعي لأن الطواف الذي رمل فيه النبي عليه الصلاة والسلام كان كذلك . والاضطباع هو جعل الرجل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن وطرفيه على منكبه الأيسر . ويسن أن يفعل ذلك أيضا بين الميلين عند السعي بين الصفا والمروة للاتباع .
غير أن شيئا من ذلك لا يستحب للمرأة .
هامش
( 35 ) مسلم : 5 / 65