صنيع الإمام البخاري في صحيحه ، فقد أورد خبر كتبه صلّى اللّه عليه وسلم بعد غزوة تبوك ، وذلك يدل على أنه إنما كان في العام التاسع .
قال ابن حجر : « إن الجمع بين القولين أنه صلّى اللّه عليه وسلم ، كاتب قيصر مرتين وهذه الثانية قد وقع التصريح بها في مسند الإمام أحمد ، وكاتب النجاشي الذي أسلم ، وصلى عليه لما مات ، ثم كاتب النجاشي الذي ولّي بعده ، وكان كافرا » .
عمرة القضاء
ثم إن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم خرج في ذي القعدة من السنة السابعة قاصدا مكة ، وهو الشهر الذي صدّه فيه المشركون عن دخولها ، فاعتمر عمرة القضاء . وذكر ابن سعد في طبقاته : « أن المعتمرين بها معه عليه الصلاة والسلام كانوا ألفين ، وهم أهل الحديبية ومن انضاف إليهم ، ولم يتخلف عنها من أهل الحديبية إلا من مات أو استشهد بخيبر » « 31 » .
قال ابن إسحاق : « وتحدثت قريش بينها بأن محمدا وأصحابه في عسرة وجهد وشدة . قال :
فصفّ له المشركون عند دار الندوة ، لينظروا إليه وإلى أصحابه ، فلما دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم المسجد اضطبع بردائه ، وأخرج عضده اليمنى ثم قال : رحم اللّه امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة . ثم استلم الركن وخرج يهرول ويهرول أصحابه معه ، حتى هرول كذلك ثلاثة أطواف . ومشى سائرها .
قال : فكان ابن عباس يقول : كان الناس يظنون أنها ليست عليهم ( أي ليست سنة عامة ) وذلك أن الرسول إنما صنعها لهذا الحي من قريش للذي بلغه عنهم ، حتى إذا حج حجة الوداع فلزمها ، فمضت السنة بها » « 32 » .
وتزوج صلّى اللّه عليه وسلم إذ ذاك بميمونة بنت الحارث . فقيل أنه تزوجها وهو محرم ( عقد نكاحه عليها فقط ) وقيل بل عقد عليها بعد التحلل وكان الذي زوّجه إياها العباس بن عبد المطلب زوج أختها أم الفضل « 33 » .
ولما مضى من دخوله عليه الصلاة والسلام مكة ثلاثة أيام ( وهي المدة التي قاضى قريشا على الإقامة بها ) أتوا عليّا رضي اللّه عنه فقالوا : « قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل ، فخرج النبي صلّى اللّه عليه وسلم » « 34 » .
هامش
( 31 ) طبقات ابن سعد : 3 / 167
( 32 ) سيرة ابن هشام : 2 / 370 ومضمون ذلك متفق عليه بروايات متقاربة عند الشيخين .
( 33 ) انظر عيون الأثر : 2 / 148
( 34 ) رواه البخاري : 5 / 85