إن من نظام الإسلام وآدابه شيوع آصرة الأخوة والمحبة بين المسلمين . ولكن شيوع هذه الآصرة لا يتم إلا في المسجد ، فما لم يتلاق المسلمون يوميا ، على مرات متعددة في بيت من بيوت اللّه ، وقد تساقطت مما بينهم فوارق الجاه والمال والاعتبار ، لا يمكن لروح التآلف والتآخي أن تؤلف بينهم .
إن من نظام الإسلام وآدابه ، أن تشيع روح المساواة والعدل فيما بين المسلمين في مختلف شؤونهم وأحوالهم . ولكن شيوع هذه الروح لا يمكن أن يتم ما لم يتلاق المسلمون كل يوم صفا واحدا بين يدي اللّه عز وجل ، وقد وقفوا على صعيد مشترك من العبودية له ، وتعلقت قلوبهم بربهم الواحد جلّ جلاله ، ومهما انصرف كل مسلم إلى بيته يعبد اللّه ويركع له ويسجد دون وجود ظاهرة الاشتراك والاجتماع في العبادة ، فإن معنى العدالة والمساواة لن يتغلب في المجتمع على معاني الأثرة والتعالي والأنانية .
وإن من نظام الإسلام وآدابه ، أن ينصهر أشتات المسلمين في بوتقة من الوحدة الراسخة يجمعهم عليها حبل اللّه الذي هو حكمه وشرعه ، ولكن ما لم تقم في أنحاء المجتمع مساجد يجتمع فيها المسلمون على تعلم حكم اللّه وشريعته ليتمسكوا بهما عن معرفة وعلم ، فإن وحدتهم تؤول إلى شتات ، وسرعان ما تفرقهم عن بعضهم الشهوات والأهواء .
فمن أجل تحقيق هذه المعاني كلها في مجتمع المسلمين ودولتهم الجديدة ، أسرع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قبل كل شيء فبادر إلى بناء المسجد .
2 - حكم التعامل مع من لم يبلغوا سن الرشد من الأطفال والأيتام :
استدل بعض الفقهاء وهم الحنفية بهذا الحديث على صحة تصرف غير البالغ « 5 » ، ووجه الدلالة على ذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم اشترى المربد من الغلامين اليتيمين ، بعد أن ساومهما ، ولو لم يصح تصرفهما لما اشترى منهما .
غير أن الذين ذهبوا إلى عدم صحة تصرف غير البالغ سن الرشد - وهم جمهور الفقهاء - استدلوا بقوله تعالى :
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ
[ الأنعام 6 / 152 ] ، أما حديث شراء المربد فيجاب عنه بجوابين :
أولهما : أنه جاء في رواية ابن عيينة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كلم عمهما اللذين كانا في حجره وكفالته وابتاعه منهما بواسطته « 6 » فلا حجة فيه لما ذهب إليه الحنفية .
هامش
( 5 ) إعلام الساجد : 223
( 6 ) فتح الباري بشرح البخاري : 8 / 175