واللفظ الذي رواه مسلم والترمذي ، متفق مع هذا ، ولكنهما زادا عليه في صدر الحديث :
« ما قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على الجن ولا رآهم ، انطلق في طائفة . . » الحديث .
قال في الفتح : « فكأن البخاري حذف هذه اللفظة عمدا ، لأن ابن مسعود أثبت أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قرأ على الجن ، فكان ذلك مقدّما على نفي ابن عباس ، وقد أشار إلى ذلك مسلم ، فأخرج عقب حديث ابن عباس هذا حديث ابن مسعود عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، قال : أتاني داعي الجن فانطلقت معه فقرأت عليه القرآن ، ويمكن الجمع بالتعدد » « 21 » أي يمكن الجمع بين الروايتين بتعدد الحادثة .
ثم إن هذا الذي رواه مسلم والبخاري والترمذي يختلف عما رواه ابن إسحاق من ناحيتين :
الأولى : أن رواية ابن إسحاق خالية عن الإشارة إلى أنه كان يصلي بأصحابه ، بل هي تفيد أنه كان يصلي منفردا ، في حين أن الروايات الأخرى ذكرت أنه كان يصلي بأصحابه .
الثانية : أن رواية ابن إسحاق ليس فيها تقييد الصلاة بالفجر ، والروايات الأخرى تنص على أنه كان يصلي الفجر .
فأما رواية ابن إسحاق فلا إشكال فيها . غير أن الرواية الأخرى تشكل من ناحيتين :
الأولى : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لم يكن معه في ذهابه إلى الطائف ورجوعه منها إلا زيد بن حارثة ، كما قد علمت ، فكيف يستقيم أنه كان يصلي بطائفة من أصحابه ؟
الثانية : أن الصلوات الخمس لم تشرع إلا ليلة الإسراء والمعراج ، وإنما كان المعراج بعد ذهاب الرسول إلى الطائف ، على ما ذهب إليه كثير من المحققين ، فكيف يستقيم أنه كان يصلي الفجر ؟
والجواب عن الإشكال الأول ، أنه يحتمل أن يكون قد التقى ببعض من أصحابه عندما وصل إلى نخلة ( وهو مكان قريب من مكة ) فصلى بهم الفجر هناك .
أما الإشكال الثاني ، فجوابه ، أن يقال بأن حادثة الجن واستماعهم للقرآن منه صلّى اللّه عليه وسلم تكرر أكثر من مرة ، فقد رويت مرة عن ابن عباس ورويت بصورة أخرى عن ابن مسعود ، وكل منهما صحيح ، وهذا ما ذهب إليه جمهور المحققين « 22 » هذا على القول بأن حادثة الإسراء والمعراج كانت بعد الهجرة إلى الطائف أما على القول بأنها كانت قبل ذلك فلا إشكال ألبته .
والذي يهمنا أن نعلمه بعد هذا كله ، هو أن على المسلم أن يؤمن بوجود الجن ، وبأنهم كائنات حية كلفها اللّه عز وجل بعبادته كما كلفنا بذلك ، ولئن كانت حواسنا ومداركنا لا تشعر بهم ، فذلك
هامش
( 21 ) فتح الباري : 8 / 473
( 22 ) انظر عيون الأثر لابن سيد الناس : 1 / 118 وفتح الباري : 8 / 473