تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية ( الندوي ) — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
البيت ، فازداد العمران ، وتوسّع النطاق على مرّ الزمان ، وحلّت البيوت المرصوفة بالحجر ، أو المبنية بالطين والحجر محلّ الخيام والأخبية ، وانطلقت الحركة العمرانية ممّا يلي المسجد الحرام إلى بطحاء مكّة في أعلاها وأسفلها ، وكانوا يبنونها أوّل الأمر بحيث لا تستوي على سقوف مربّعة احتراما للبيت ، ثمّ هان عليهم ذلك بالتدريج ، فلم يروا بذلك بأسا ، وتوسّعوا فيه ، إلا أنّهم كانوا لا يرفعون بيوتهم عن الكعبة . وزعم بعض أهل الأخبار أنّ أهل مكّة كانوا يبنون بيوتهم مدوّرة تعظيما للكعبة ، وأوّل من بنى بيتا مربّعا « حميد بن زهير » ، فاستنكرته قريش . وكانت بيوت أثريائها وساداتها مقامة بالحجر ، وبها عدد من الغرف ، ولها بابان متقابلان ، ليتمكّن النّساء من الخروج من الباب الآخر ، عند وجود ضيوف في الدّار . ومن أعلى جبل أبي قبيس الذي يشرف على مكّة من الشرق ، يبدو شكلها المستطيل من الشّمال إلى الجنوب في بطن واد ضيق ، وعندما ينظر إليها المرء لأول وهلة فإنّه لا يكاد يميّزها عن الأديم الذي تقوم عليه ، إنّ الجبال الجرداء الصخرية التي تحيط بها لا تفصلها عنها أية واحة ، فليس بينها وبين مكّة أيّ بقعة خضراء ، وإنّ سطوح منازلها لتختلط بمنهار الصخور التي تحدّرت على سفوح تلك الجبال . أمّا بعد أن تراض العين شيئا فشيئا ، فإنّها تميّز البيوت والدّور ، وتكشف المداخل الخفيّة ، ويتنبّه الإنسان بغتة لمنظر مفاجىء لمدينة كبيرة ، لم يكن يظنّ وجودها في هذا المكان ، إنّ العين تراها تكبر دون حدّ ؛ حتّى ليكاد الإنسان يعزو اتساعها المفاجىء إلى سحر ساحر ، وتبدو الصّخور بدورها