تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
والدعاة إلى اللّه يهون عليهم كل ما يلقون ، فهم يعرفون الطريق ويعرفون نحيزة الطغيان وديدن الطغاة . فدور الهجرة ومعناها ومقتضاها وطريقها ومبناها مستمر ومفتوح . رسم المسلمون ، خلال التاريخ ، وعلى مداره : معانيها ، وصوّروا الإسلام بسلوكهم ، وأقاموا الحياة بجهادهم ، فكانوا في هجرة دائمة بكل ألوانها ، يلجؤون إلى اللّه ، ويحتمون بشرعه . وإن الذي يطّلع على الإسلام لا بد أن يهاجر إليه ، لا أن يهرب منه . كيف يحدث ذلك ؟ ومن هنا كانت الهجرة - ولا بد أن تكون - مستمرة بألوانها الزاهية وصفحاتها الباهية ، والأمر كله للّه سبحانه وتعالى . إنّ الهجرة هجرة عقيدة ونصرة ؛ لنشر الإسلام ، وتخليص أنفسنا وبني الإنسان من ظلمات النفس وظلام الحياة ، وندعو أهل الأرض لإنقاذهم ، عاملين على إبلاغه إليهم حيثما كانوا . فلنهاجر إلى اللّه لنبني الحياة ، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة ، وبهذه الروح تتمّ الهجرة ، ويتمّ كلّ شيء في حياة المسلم ، ما دامت نفسه ونيته عليه قائمة ، وحياتها به دائمة ، تلتحف بالبشر والسعادة . ف « لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونية » « 1 » والهجرة إلى اللّه تعالى مفاصلة ومهاجرة لكل سوء وانحراف وعصيان وانجراف ، وعند ذاك سيمدّ اللّه المؤمنين بنصره ، ويؤيدهم ، ويعلي شأنهم ، ويرفع قدرهم ، ويكتب لهم الأجر ، إن شاء اللّه سبحانه وتعالى ، وبمنّه وكرمه . وهو عزّ وجلّ الذي يقول :
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ
[ المجادلة : 21 ] .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال يوم افتتح مكة : « لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ، وإذا استنفرتم فانفروا » . كتاب : أبواب الإحصار وجزاء الصيد ، باب : لا يحل القتال بمكة ، رقم ( 1737 / 2 ) . كتاب : الجهاد والسّير ، باب : فضل الجهاد والسّير ، رقم ( 2631 / 3 ) .