وبذلك يعلن محبة الخير للناس ، ويعمل على دعوتهم بقوله وفعله ، ولا خير إلّا بهذا الفهم والمسلك . وما كان المسلم يكره من المخالفين إنسانيتهم ، بل يكره باطلهم وفسادهم . وإن ما وهبهم اللّه من نعم الدنيا برحمته ، وفتح من إمكانيات بحكمته ، لا يغنيهم في الدنيا ولا في الآخرة ، بل الأمر أشد وأكبر . وكلّ ذلك حجّة عليهم ، إذ كان لا بدّ أن يكون سببا لإدراكهم حكمة اللّه في الإنسان والحياة واستيعابها ، فلا ينصرفون عن حكمه وشرعه ، بل يقبلون عليه ، وفيه وحده النجاة والسعادة في الدارين .
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ( 53 ) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ( 54 ) أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ ( 55 ) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ( 56 ) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ( 57 ) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ( 58 ) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ ( 59 ) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ ( 60 ) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ
« 1 » [ المؤمنون : 53 - 61 ] .
وهكذا لقد وقف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوما - في أوائل الدعوة المكية - يعلن لمن حوله حقائق هذه الدعوة العالمية ، وديمومتها ، وصدقها ، وأحقيتها ، فقال : « إنّ الرائد لا يكذب أهله ، واللّه ! لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم ، ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم . واللّه الذي لا إله إلا هو ! إني رسول اللّه إليكم خاصّة وإلى الناس كافة . واللّه ! لتموتنّ كما تنامون ، ولتبعثنّ كما تستيقظون ، ولتحاسبنّ بما تعملون ، ولتجزونّ بالإحسان إحسانا ، وبالسوء سوآ ، وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا » « 2 » .
* مولد واقتران :
ولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عام الفيل ، الذي تعرفون - أيها الأخوة - قصّته
هامش
( 1 ) التفسير ( 4 / 2471 ) وبعدها .
( 2 ) سبل الهدى والرشاد ( 2 / 432 ) .