تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
روى البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اخى بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري ، فجاء سعد فعرض عليه أن يقاسمه ماله ، وقال له : انظر أيّ زوجتيّ أحب إليك أتنازل لك عنها حتى إذا ما انتهت عدتها تزوجتها . فأبى عبد الرحمن وقال له : بارك اللّه لك في أهلك ومالك ، ولكن دلّني على السوق ، فدلّه على السوق ، فباع وابتاع حتى صار له مال ، وتزوج امرأة من الأنصار بوزن نواة من ذهب ، فقال له النبي : « أو لم ولو بشاة » « 1 » . وهكذا ضرب سعد بن الربيع مثلا فريدا في الإيثار ، وضرب عبد الرحمن بن عوف مثلا عاليا لعزة النفس والرغبة في العمل والاكتساب ، وقد فتحت عليه الدنيا بعد ، فما توفي إلا وهو أثرى الأثرياء . وما سعد بن الربيع إلا صورة مشرقة ومثلا من أمثلة الأنصار الكرام . ويبالغ الأنصار في الإيثار والعمل على مقتضى هذه الأخوة ، فيأتون إلى النبي صلوات اللّه وسلامه عليه فيقولون : ( اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل ) . فيقول لهم النبي : « لا » ، فقالوا لإخوانهم المهاجرين : تكفونا المؤونة - يعني السقي والعمل - ونشرككم في الثمرة ، فقالوا : ( سمعنا وأطعنا ) رواه البخاري في صحيحه . وروى أيضا عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال : ( دعا النبي صلى اللّه عليه وسلم الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين . فقالوا : إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها ) قال : « إما لا « 2 » ، فاصبروا حتى تلقوني ، إنه سيصيبكم بعدي أثرة » « 3 » .
هامش
( 1 ) صحيح البخاري باب : « كيف اخى النبي بين أصحابه » . ( 2 ) إمالا : هي إن الشرطية المدغمة في ( ما ) الزائدة ، ولا نافية ، وفعل الشرط محذوف تقديره : تقبلوا . ( 3 ) أثرة : على وزن قصبة أي استئثار بالأموال دونهم .