تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦

العتاب في الفداء

وقد عاتب اللّه سبحانه النبي والمسلمين على اختيارهم الفداء على القتل الذي أشار به الفاروق رضي اللّه عنه ، وأنزل في ذلك قوله سبحانه :
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
« 1 » . ولما نزلت الآيتان جاء عمر من الغد ، فإذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبو بكر يبكيان ، فقال : يا رسول اللّه أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك ؟ فإن وجدت بكاء بكيت ، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما ! ! فقال رسول اللّه : « للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء ، وقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة » ، لشجرة قريبة منه ، وأخبره بما نزل من الآيات ، وهذا يدل على أن جمهرة الصحابة كانوا على رأي أخذ الفداء . ولما نزلت الآيتان كفّ الصحابة أنفسهم عن الانتفاع بما أخذوا من الفداء ، وأسفوا لهذا العتاب ، فأنزل اللّه سبحانه :
فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً ، وَاتَّقُوا اللَّهَ ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
.
هامش
( 1 ) سورة الأنفال : الآيتان 67 ، 68 . تفسير الآيتين : أسرى : جمع أسير ، الإثخان في الشيء : المبالغة فيه والإكثار منه ، والمراد المبالغة في تقتيل الكفار . عرض الدنيا : الفداء . لولا كتاب من اللّه سبق : يعني لولا ما قدّره اللّه في الأزل وجرى به تقديره الحكيم من أنه لا يؤاخذ من اجتهد وبذل الوسع ، وإن لم يصادف الصواب ، وقيل : من أنه لا يؤاخذ أهل بدر بما صنعوا ، وقيل : من أنه لا يعذب قوما حتى يبين لهم الحلال من الحرام ، وما ينبغي مما لا ينبغي ، يعني لولا هذا لنالكم عذاب شديد بسبب إيثاركم عرض الدنيا على ثواب الآخرة ، وهذا درس تربوي عظيم ، وبهذا الدرس وغيره أنشأ اللّه خير جيل عرفته الدنيا قديما وحديثا ، وهم الصحابة الكرام ، والآية الثانية بمثابة الترضية والإعذار لهم بعد العتاب .