وإذ قد انتهينا إلى هذه النتيجة الممحّصة فما معنى اية الحج إذا ؟ وللإجابة على ذلك أقول :
إن للآية تفسيرين : الأول : أن التمني المذكور في الآية المراد به تشهّي حصول الأمر المرغوب فيه ، ومن هذا المعنى : الأمنية ، وما من نبي أو رسول إلا وغاية مقصوده ، وجل أمانيه أن يؤمن قومه ، وكان نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم من ذلك في المقام الأعلى ، قال تعالى :
فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ( 6 )
« 1 » .
وقال :
فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ ( 8 )
« 2 » .
وقال :
وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ( 103 )
« 3 » .
وعلى هذا يكون معنى الآية : وما أرسلنا من قبلك رسولا بشرع جديد كإبراهيم وموسى وعيسى ، أو نبيا جاء مجددا لشرع جاء به رسول اللّه قبله كأنبياء بني إسرائيل الذين جاؤوا بعد موسى ، مثل يوشع بن نون ، وكالب بن يوفنا وحزقيل ، إلا إذا تمنى هداية قومه وإيمانهم ألقى الشيطان في سبيل أمنيته هذه العقبات ، ووسوس في صدور الناس ، فثاروا في وجهه وجادلوه حينا ، وحاربوه حينا اخر ، حتى إذا ما أراد اللّه هدايتهم أزال تلك الوساوس التي ألقاها الشيطان في نفوسهم ووفقهم لإدراك الحق وإجابة داعي اللّه ، وبذلك ينسخ اللّه ما ألقى الشيطان من الشبهات والعقبات ، ويحكم آياته بنصر الحق وأهله على الباطل وحزبه ، وينشئ من ضعف أنصاره قوة ، ومن ذلهم عزا ، وتكون كلمة اللّه هي
هامش
( 1 ) الآية 6 من سورة الكهف .
( 2 ) الآية 8 من سورة فاطر .
( 3 ) الآية 103 من سورة يوسف .