تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسول ( ص ) في عيون غربية منصفة — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
غيره ، ولم يكن إلا كجميع أشباهه من الأنبياء والعظماء ، أولئك الذين أشبّههم بالمصابيح الهادية في ظلمات الدهور . وقد رأيناه طول حياته راسخ المبدأ ، صادق العزم بعيدا ، كريما برّا ، رؤوفا ، تقيا ، فاضلا ، حرا ، رجلا ، شديد الجد ، مخلصا ، وهو مع ذلك سهل الجانب ، ليّن العريكة ، جم البشر والطلاقة ، حميد العشرة ، حلو الإيناس ، بل ربما مازح وداعب ، وكان - على العموم - تضئ وجهه ابتسامة مشرقة من فؤاد صادق ؛ لأن من الناس من تكون ابتسامته كاذبة ككذب أعماله وأقواله » . إلى أن قال : « كان عادلا ، صادق النية ، كان ذكى اللب ، شهم الفؤاد ، لوذعيّا ، كأنما بين جنبيه مصابيح كل ليل بهيم ، ممتلئا نورا ، رجلا عظيما بفطرته ، لم تثقفه مدرسة ، ولا هذبه معلم ، وهو غنى عن ذلك . ويزعم المتعصبون من النصارى والملحدين أن محمدا لم يكن يريد بقيامه إلا الشهرة الشخصية ، ومفاخر الجاه والسلطان . كلا - وأيم اللّه - لقد كان في فؤاد ذلك الرجل ابن القفار والفلوات ، المتوقد المقلتين ، العظيم النفس ، المملوء رحمة وخيرا وحكمة ، وحجى - أفكار غير الطمع الدنيوي ، ونوايا خلاف طلب السلطة والجاه ، وكيف لا ، وتلك نفس صامدة كبيرة ، ورجل من الذين لا يمكنهم إلا أن يكونوا مخلصين جادين ؛ فبينما ترى آخرين يرضون الاصطلاحات الكاذبة ، ويسيرون طبق الاعتبارات الباطلة إذ ترى محمدا لم يرض أن يتلفّع بمألوف الأكاذيب ، ويتوشح بمبتدع الأباطيل . لقد كان منفردا بنفسه العظيمة ، وبحقائق الأمور والكائنات ، لقد كان سرّ الوجود يسطع لعينيه - كما قلت - بأهواله ، ومخاوفه ، وروانقه ، ومباهره ، ولم يكن هناك من الأباطيل ما يحجب ذلك عنه ، فكان لسان حال ذلك السر الهائل يناجيه : ها أنا ذا ، فمثل هذا الإخلاص لا يخلو من معنى إلهي مقدس ، فإذا تكلم هذا الرجل فكل الآذان برغمها صاغية ، وكل القلوب واعية ، وكل كلام ما عدا ذلك هباء ، وكل قول جفاء » .