تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
خاصّة من سدنة المعابد ، وخدّام المساجد ، وأحبار الدّين ، وليس في الإسلام رهبانية ، ولا يرضى أن تكون فيه فئة تتخذ الدّين مهنة ، ومصدر رزق ، وليس لأحد أن يعطي ، أو يمنع ، وما بيد أحد شيء من أمر الحلّ والعقد ، بل كلّ ذلك بيد اللّه ، فهو الذي يغفر الذنوب وحده ، وليس بين العبد ومعبوده والمخلوق وخالقه أيّ تدخّل لأحد في عبادة اللّه ومناجاته ، ولكلّ مسلم أن يصلي بالناس ، وأن يؤمّهم ، وأن يذبح أضحيته بيده ، وأن يعقد النكاح ، ويقوم بجميع أمور الإسلام وأوامره ، والإسلام يعلّم أتباعه قول اللّه عز وجل
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
[ غافر : 60 ] وأنّه يجيب دعوة الدّاعين مباشرة ، وبلا واسطة ، فكلّ مسلم يدعو ربه متى شاء ، ويناجيه ، ويبثّه حزنه ، ويشكو إليه ضرّه بلا أيّ واسطة ، فالمسلم هو قسيس نفسه ، وهو برهميها حين يعبد ربّه متحرزا من قيود البراهمة والقسيسين .

دين اللّه بين الذين غلوا في الأنبياء والّذين فرّطوا فيهم :

لقد بعث اللّه رسله وأنبياءه إلى البشر بالهداية وإصلاح المجتمع الإنسانيّ ، ولكنّ الناس أفرطوا فيهم ، أو فرّطوا . فمنهم من غلا في تعظيمهم ، فرفعهم من منزلة الرّسل ، والأنبياء ، والهداية إلى منزلة الإله المعبود ، أو إلى منزلة شبيهة بذلك ، وإنّك لترى في هياكل الشام ، وبابل ، ومصر تماثيل الكهنة والأحبار تمثل اللّه عز وجل ، وتنتحل بعض صفاته ، وكذلك الهنادك جعلوا الأنبياء المبعوثين فيهم بالهداية والحكمة آلهة متجسّدة ، وكذلك فعل أتباع بوذا ، والجينيون بصلحاء ملّتهم ، وهداة نحلتهم ، فاتخذوهم أربابا ، وهذا ما فعله النّصارى بنبيّهم عيسى ابن مريم سلام اللّه عليه ، فاتخذوه ربا ، ودعوه ابن اللّه ، سبحانه وتعالى عما يقولون علوّا كبيرا ، ذلك ما أفرط به الناس في حقّ الأنبياء ، وآخرون قصّروا في حقّهم ، وفرّطوا ، كما فعل بنو إسرائيل في كلّ من تكهن ، أو تحدّث عن أمر المستقبل ، فجعلوه نبيا . ولا يتوقف مقام النبوّة عندهم إلا على أن يتحدّث أحد كهانهم في أمر المستقبل ، أو أن يتوسّم أمرا فيقع ، ولا يلزمه أن يكون ممن يتّقي المآثم ، فضلا عن أن يكون عند اللّه معصوما صالحا ، لأجل ذلك ترى في صحف بني إسرائيل أمورا منسوبة إلى الأنبياء تنافي
الرسالة المحمدية — صفحة 197 | سيد سليمان ندوى