في الخامسة والعشرين من عمره كان محمد صلى اللّه عليه وسلم قد اجتاز تجربة زواجه الأول وكانت تجربة ناجحة لعبت دورا كبيرا في حياته قبل البعثة وبعدها على السواء . وكان محمد قد اختير بوساطة عمه أبي طالب ، من قبل السيدة خديجة ذات الشرف والمال في قريش ليكون أمينا لتجارتها إلى الشام برفقة خادمها ميسرة لما كانت قد سمعته عن محمد « من صدق حديثه ، وعظم أمانته ، وكرم أخلاقه » .
وقد وافق محمد على القيام بالمهمة لقاء أجر غير زهيد قررت خديجة منحه إياه لدى عودته رابحا من الشام . ولقد عاد بعدئذ مضاعفا ، بصدقه وأمانته ونشاطه ربح التجارة التي كلف بإدارتها ، فأعجبت خديجة به ، وزادها إعجابا وتقديرا ما حدثها به خادمها ميسرة عن أخلاق محمد وصفاته . وعلى عادة العرب في الوضوح والصراحة وعدم الالتواء ، بعثت إليه من يقول له : إني قد رغبت فيك لقرابتك وشرفك في قومك ، وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك . ثم عرضت عليه الزواج . وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسبا ، وأعظمهن شرفا ، وأكثرهن مالا ، كل قومها كان حريصا على خطبتها لو يقدر على ذلك « 1 » .
استشار محمد صلى اللّه عليه وسلم أعمامه فخرج معه عمه حمزة ( رضي اللّه عنه ) ودخل على خويلد بن أسد فخطب ابنته لابن أخيه ، فوافق الأب وتم الزواج المبارك ، فكان من ثماره أبناء رسول اللّه كلهم إلا إبراهيم ، وهم : القاسم ، وكان صلى اللّه عليه وسلم يكنى به ، وعبد اللّه ( الذي يلقب بالطاهر والطيب ) وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة . وقد توفي القاسم وعبد اللّه قبل مبعثه ، وأما بناته فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن إلى المدينة « 2 » .
[ 2 ]
إن الإطار التاريخي لسيرة رسولنا صلى اللّه عليه وسلم ، منذ مولده حتى وفاته ، يضم حشدا كبيرا من الروايات ، يكثر ويتكاثف في مرحلة ويقل ويتباعد طيلة الأربعين سنة التي سبقت مبعثه في غار حراء ، فلا يكاد يغطي سوى مساحات قليلة من هذه
هامش
( 1 ) ابن هشام ص 37 - 38 ابن سعد 1 / 1 / 82 - 85 البلاذري : أنساب 1 / 97 - 99 : اليعقوبي 2 / 15 - 16 .
( 2 ) ابن هشام ص 38 الطبري : تاريخ 2 / 280 - 282 ابن سعد 1 / 1 / 85 ابن الأثير : الكامل 2 / 39 - 40 ابن كثير : البداية 2 / 293 - 295 المقدسي 4 / 138 - 139 وانظر :Caetani : Op . cit ; 1 - 138 Sprenger : die lehre des Mohammed 1 - 194 .