تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسة في السيرة — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
لقد نجحت التجربة لأن الأرضية التي أقيمت عليها والقيادة التي خططتها ونفذتها استكملتا كل شروط النجاح في مجتمع شاب يحكمه مبدأ العطاء قبل الأخذ ، وتشده أواصر العقيدة وحدها ويوجهه الإيمان العميق في كل حركاته وأعماله وفاعلياته ، ويقوده الرسول ( الأسوة ) الذي ضرب بتجرده وإيثاره وانسلاخه عن الأخذ وعطائه الدائم مثلا عاليا ومؤثرا يحرك حتى الحجارة الصم لكي تنبجس فيتدفق منها الماء . وأنى لتجربة كهذه أن تفشل وتتعثر والرسول صلى اللّه عليه وسلم يخوض مع أصحابه تجربة الفقر والجوع في سني الهجرة الأولى ويعاني كما يعانون بل أكثر مما يعانون ، دون أن يفكر يوما بأن يمتطي ( منصبه الأعلى ) ليسلك طريقا آخر غير الذي يسلكه أتباعه ، فيثري ويفتقرون ، ويشبع ويجوعون ، ويأخذ ويعطون . أولم يشك له أصحابه يوما الجوع ويكشفوا عن بطونهم التي شد كل منهم عليها حجرا لكي يؤكدوا له ما يعانونه ، فإذا به يبتسم وقبل أن يتكلم يكشف عن بطنه فإذا بقطعتين من الحجارة قد شدتا عليها ؟ روى البخاري أن أنس بن مالك قال : ما أعلم النبي رأى رغيفا مرققا حتى ألحق باللّه ، ولا رأى شاة سميطا بعينه قط . وعن عائشة قالت : إنّا كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلّة في شهرين وما أوقدت في بيوت رسول اللّه نار ، فقال لها عروة ابن الزبير : ما كان يعيشكم ؟ قالت : الأسودان : التمر والماء . وقالت لقد توفي رسول اللّه وما في رفّي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رق لي . وعن أبي ذر قال : كنت أمشي مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في حرة المدينة فاستقبلنا أحد فقال : يا أبا ذر قلت : لبيك يا رسول اللّه فقال ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبا أموت وعندي منه دينار إلا أن أقول به في عباد اللّه هكذا وهكذا وهكذا ، عن يمينه وعن شماله وعن خلفه ، ثم مشى فقال : إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا وقليل ما هم ! ! وكانت عائشة رضي اللّه عنها تقول : « كان لنا جيران من الأنصار نعم الجيران . . كانوا يهدوننا بعض الطعام » ، وصلى عليه السلام مرة جالسا من شدة الجوع . قدموا له عصير اللوز فقال : أخروه عني هذا شراب المترفين . وتوفي ودرعه مرهونة عند يهودي اشترى منه ثلاثين قدحا من الشعير أخذها لطعام أهله . ولم يكن لديه قط قميصان معا ، ولا رداآن ، ولا إزاران ، ولا نعلان . وأهدي إليه من الشام جبة وخفان فلبسهما حتى تمزقا . . وحج في قطيفة لا تساوي أربعة
دراسة في السيرة — صفحة 129 | عماد الدين خليل