الجميع ، وأباح دم التسعة الذين ذكرهم وأجاز قتلهم ، ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة الشريفة . وأنه لم يقسم أرض مكة المكرمة بين القائمين ولم يعتبر أموال أحد من أهلها غنيمة ولا نفلا من الأنفال ، والنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم نهى عن القتل والقتال ، فكيف يقال بعد ذلك إنها فتحت عنوة ، إن المقياس الضابط بين العنوة والصلح هو أن يكون تسليم أهل البلدة في العنوة بقوة السيف والغزو ، وأما الصلح فهو التسليم من غير قتال ولا أمن ، ولقد سلم أهل مكة المكرمة من غير قتال ، وكان الأمن الكامل من الرسول الكريم صلى اللّه تعالى عليه وسلم هو في قوله « اذهبوا فأنتم الطلقاء » .
وإنا نميل إلى أن مكة المكرمة لم تفتح عنوة ولا صلحا ، فلم يتحقق أصل الفتح ، وإنما تحقق اللقاء بالمودة والرحمة من غير عقد ، بل بما هو أعلى من العقد ، وهو صلة الرحم بعد قطعها من قريش ، ولو أننا اخترنا الموازنة بين الرأيين ، وكان لا بد أن نختار أحدهما ، لاخترنا أنها لم تفتح عنوة .
مكة المكرمة وما يحرم فيها :
608 - قلنا إن اللّه تعالى حرم القتال في مكة المكرمة ، ونقلنا قول الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم في ذلك ، والآن سنذكر بعض الأحكام المتعلقة بمكة المكرمة فنقول .
إن اللّه تعالى حرم الصيد في الحرم الشريف مكة المكرمة وما حولها لمن أحرم بالحج ، ولقد قال تعالى في ذلك :
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ ، وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ، وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً ، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
( المائدة - 96 ) .
ولقد ذكر النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم تحريم القتل والقتال في مكة المكرمة ، وذكر بعده محرمات أخرى فقال صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « إن اللّه حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ، فهي حرام بتحريم اللّه سبحانه وتعالي ، لا تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي ، ولم تحل لي إلا ساعة من الدهر ، لا ينفر صيدها ، ولا يعضد شوكها ، ولا يتخلى خلاؤها ، ولا تحل لقطتها إلا المنشد ، فقال العباس إلا الإذخر فإنه لا بد منه للدفن والبيوت ، فسكت النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ثم قال : إلا الإذخر .
هذا ما رواه البخاري ، وقد انفرد بروايته ، وحسب البخاري صدقا ، لأنه صادق في جملة ما رواه .
وإن أخذت عليه بعض الأحاديث لمتنها .
وبذلك ننتهى من بيان هذا الحديث .