الثانية : بيان أنها إثم ضار ، وإذا كان فيها نفع فإثمها أكبر من نفعها .
ولذلك جاء الاستنكار المؤيد بالسبب ، فقال تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ، وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما
( البقرة - 219 ) .
ومن المقررات في الشرائع والعقول أن الأمر الذي يكون ضرره أكبر من نفعه يكون محرما ، إذ أن التحريم والإباحة والندب تناط بالضرر والنفع ، فما يكون نفعه أكبر يكون مطلوبا ، وما يكون ضرره أكبر ، يكون ممنوعا ، وإن اللّه سبحانه وتعالى خلق الأمور وقد اختلط نفعها وضررها ، فلا يوجد ما هو نافع نفعا محضا ، ولا يوجد ما هو ضار ضررا محضا ، والعبرة بالكثرة والقلة ، ويتفاوت الطلب بتفاوت المصلحة ، ويتفاوت النهى بتفاوت المضرة .
فكان هذا النص دالا على التحريم ، لكن بغير دلالة صريحة شافية ، ولذلك كان الفاروق رضى اللّه تعالى عنه يقول : « اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا » .
المرتبة الثالثة : التربية على الامتناع من الخمر ، بأن تتعود النفس التي مردت عليها التخلي عنها طول النهار وأطراف الليل ، فإذا جاء التحريم القاطع الحاسم الشافي تكون النفس المؤمنة قد تربت على أن تنفطم عنها ، فتنفطم بالأمر القاطع .
وذلك بقول اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ
( النساء - 43 ) إن الصلاة ركن الدين وعمود اليقين ، ولا بد أن يقيموها ، وهي مفرقة في أوقات النهار وزلفا من الليل .
فإذا كان الصباح لا يشربون حتى يقربوا صلاة الصبح وهم في صحو كامل ، فيمرنون على ترك صبوح الخمر .
والنهار عمل لا لهو فيه ، ولا خمر ، بل أمر جد ، وإذا جاء الزوال لا يقربون من الخمر ، لأنهم يقربون من الصلاة ، فلا يشربون حتى لا يقربوا صلاة الظهر وهم سكارى لا يعلمون ، وكذلك العصر ، وكذلك صلاة العشاءين ، وبذلك يفوت عليهم شرب الخمر مساء فيفوت عليهم الغبوق كما فات عليهم الصبوح .
ولا يكون لهم إلا ما بعد العشاء ، وإن بعد العشاء يكون النوم بعد الكد واللغوب .
المرتبة الرابعة : التحريم القاطع بعد أن أدركوا أنها شيء غير حسن . وبعد أن أدركوا أن ضررها أكبر من نفعها ، وبعد أن مرنوا على الاستغناء عنها بعد أن ألفوها . وصارت خلب أكبادهم ، ونبع نفوسهم ،