وإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتحدث عنه ، ولا يتحدث هو معهم ، وإنه عندما التقى ببحيرا الراهب صغيرا كان قومه يتحدثون عنه ، ولم يعرف التاريخ أنهم ذكروا له ما حدث به الراهب .
وكذلك الأمر في رحلته الثانية بعد أن صار شابا سويا ، كان الحديث عنه ، ولم يثبت أن الحديث كان معه .
وهكذا إذا كان يتلقى الكلام في نبي منتظر ، فإنه يتلقاه كما يتلقى قومه ، ولم يعرف أنه كانت له عناية خاصة بتاريخ النصارى ؛ ولا بأخبار اليهود ولا بشيء من ذلك ، بل عنايته في مطلع حياته بكسب الرزق ؛ وفي شبابه الأول بالتجارة ، ثم بعد أن توافر له الرزق انصرف إلى العبادة والتحنف الليالي والشهور ، وفي كل أحواله كان كثير التأمل ، يدرس الخالق من خلقته ، والمنشيء مما أنشأه .
ولكن كتاب الفرنجة يدعون أن محمدا عليه الصلاة والسلام كان قبل البعثة يتتبع أخبار اليهود ، ويستمع إلى ما يحدث به أحبار اليهود ، ورهبان النصارى ، وأنهم يرمون بهذا إلى أمرين :
أحدهما : إثبات أن محمدا عليه الصلاة والسلام ما وصل إلى ترك الأوثان إلا بتعاليم اليهود والنصارى ، وأنه ما وصل إليها بمنطقه وفطرته وبقايا ديانة إبراهيم عليه السلام ، وكأنهم يريدون أن يصوروا ما كان دون زيد بن نفيل وورقة بن نوفل ، وقد ثبت أنه كان يكره اللات والعزى وهو في الثانية عشرة من عمره ، وقد ثبت ذلك في أخبار بحيرا الراهب .
وثانيهما : ادعاء أن القران الكريم أخذ أخبار النبيين وقصصهم من التوراة والإنجيل ، وأن العلم بهذا علم تلق ، وليس بوحي من الله تعالى ، مع أنه من الثابت أن قصص الأنبياء في القران هو الصادق الذي لا يمترى فيه ، وغيره فيه الفساد والضلال كخبر سكر لوط ، ومواقعته ابنتيه ، وكزنى داود بامرأة قائد جيشه فهي أكاذيب ليست في القران الكريم .
وقد تبعهم بعض المغترين بهم من الكتاب عن نية حسنة ، ولم يدركوا خبيئة نفوسهم ، وخبث تفكيرهم .
ألا فليتركوهم واستنباطهم ، وليتتبعوا أخبار النبي عليه الصلاة والسلام من كتب السيرة الدقيقة البعيدة عن الأوهام ، وليتركوا اتباع الاستنباط الفاسد ، من غير خبر تاريخي يؤيده ، ولا سند صادق يزكيه .
وليعلموا أن النبي عليه الصلاة والسلام كان بعيدا عن الأحبار والرهبان ، وما كان يصدق كهانة الكهان ، ونهى بعد البعثة عن الاستماع إلى الكهان ، وكان يستنكر سجع الكهان ، ويستنكر تصرف من يحاكيهم .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 262
مساهمون: محمد ابو زهره
ص٢٦٢