وأصلح ، وهذا أمر مشهود من حال المادّة الأصليّة حتّى تصير عنصرا ثمّ . . . ثمّ نباتا ثمّ حيوانا ثمّ إنسانا .
والانشعابات بحسب الأوطان تسوق الامّة إلى توحّد في مجتمعهم يفصله عن المجتمعات الوطنيّة الأخرى ، فيصير واحدا منفصل الروح والجسم عن الآحاد الوطنيّة الأخرى ، فتنعزل الإنسانيّة عن التوحّد والتجمّع وتبتلي من التفرّق والتشتّت بما كانت تفرّ منه ، ويأخذ الواحد الحديث يعامل سائر الآحاد الحديثة ( أعني الآحاد الاجتماعيّة ) بما يعامل به الإنسان سائر الأشياء الكونيّة من استخدام واستثمار وغير ذلك ، والتجريب الممتدّ بامتداد الأعصار منذ أوّل الدنيا إلى يومنا هذا يشهد بذلك ، وما نقلناه من الآيات في مطاوي الأبحاث السابقة يكفي في استفادة ذلك من القرآن الكريم .
وهذا هو السبب في أن ألغَى الإسلام هذه الانشعابات والتشتّتات والتميّزات ، وبنَى الاجتماع علَى العقيدة دون الجنسيّة والقوميّة والوطن ونحو ذلك ؛ حتّى في مثل الزوجيّة والقرابة في الاستمتاع والميراث ؛ فإنّ المدار فيهما علَى الاشتراك في التوحيد لا المنزل والوطن مثلًا .
ومن أحسن الشواهد على هذا ما نراه عند البحث عن شرائع هذا الدين أنّه لم يهمل أمره في حال من الأحوال ، فعلى المجتمع الإسلاميّ عند أوج عظمته واهتزاز لواء غلبته أن يقيموا الدين ولا يتفرّقوا فيه ، وعليه عند الاضطهاد والمغلوبيّة ما يستطيعه من إحياء الدين وإعلاء كلمته . . . وعلى هذا القياس ؛ حتّى أنّ المسلم الواحد عليه أن يأخذ به ويعمل منه ما يستطيعه ولو كان بعقد القلب في الاعتقاديّات والإشارة في الأعمال المفروضة عليه .
ومن هنا يظهر أنّ المجتمع الإسلاميّ قد جُعل جعلًا يمكنه أن يعيش في جميع الأحوال وعلى كلّ التقادير من حاكميّة ومحكوميّة وغالبيّة ومغلوبيّة وتقدّم وتأخّر
حكم النبي الأعظم ( ص ) — صفحة 562
مساهمون: محمد الريشهري
ص٥٦٢