عندما يُطَلّ على الثروة من زاوية وجودية ويتمّ تقويمها من هذا المنطلق ، فهي بلا ريب تعدّ قيمة في مقابل الفقر ونعمة ، تماما كالعلم في مقابلالجهل . أمّا عندما يتمّ تقويم الثروة انطلاقا من طبيعة علاقتها بالإنسان الثريّ فستكتسب المعادلة صيغا أخرى ؛ فكما لا يعدّ العلم نافعا لكلّعالم ولا الجهل ضارّا بكلّ جاهل « 1 » ، فكذلك تكون الثروة ؛ فليس كلّ فقير منتفعاً بالثروة كما ليس كلّ فقير متضرّرا من الفقر ، بل الأمر هو ماعبّر عنه الإمام أمير المؤمنين في قوله عليه السلام : " رُبّ غِنَىً أورَثَ الفَقرَ الباقِي " ، « 2 » و " رُبَّ فَقرٍ عادَ بِالغِنَى الباقِي " ، « 3 » و " كَم مِن مَنقوصٍ رابِحٍ ومَزيدٍخاسِرٍ ! " . « 4 »
تأسيسا على هذه الحالة ، عندما تقوّم الثروة انطلاقا من طبيعة صلتها بالثريّ وينظر إلى الفقر من خلال طبيعة صلته بالفقير ، لا نستطيع أننجزم بأنّ الثروة تعدّ قيمةً بالمطلق ، تماما كما لا نستطيع أن نجزم بأنّ الفقر يعدّ حالة منافية للقيمة بالمطلق . بل يكون الأجدى ممارسة التقويممن خلال النتائج ، فإذا ما استفاد الثريّ من الثروة على ما يرام فستمثّل الثروة قيمة ، وإذا ما أساء فستتحوّل إلى الضدّ تماما . وهكذا بالنسبهإلى الفقر ، فإذا ما جرّ الفقير إلى الذلّ والدمار فهو عنصر سلبي ، وإذا ما قادت الفقير مواقفُه الصحيحة من الفقر إلى الغنى وصارت باعثا لكماله ، فالفقر قيمة عندئذٍ .
بشكل عامّ توفّرت الفصول الخمسة الأولى من الكتاب على تناول موضوع التنمية الاقتصادية من خلال الرؤية الأولى . أمّا نصوص الفصلالسادس فقد أطلّت
هامش
( 1 ) كما روي عن الإمام أمير المؤمنين قوله عليه السلام : " رُبّ جاهل نجاته جهله " . ( راجع : كتاب العقل والجهل : ص 221 ( ما مدح من الجهل ) وكتاب العلم والحكمة : ص 270 ( السؤال عمّا قد يضرّ جوابه ) ) .
( 2 ) غرر الحكم : ح 5328 .
( 3 ) غرر الحكم : ح 5327 .
( 4 ) غرر الحكم : ح 6960 .