وكانت اليهود يعظّمونها ويعبدون اللّه فيها على دين إبراهيم ، وكان بها صُوَر وتماثيل ، منها تمثال إبراهيم وإسماعيل ، وبأيديهما الأزلام ، ومنها صُورَتا العذراء والمسيح ، ويشهد ذلك على تعظيم النصارى لأمرها أيضا كاليهود .
وكانت العرب أيضا تعظّمها كلّ التعظيم ، وتعدّها بيتا للّه تعالى ، وكانوا يحجّون إليها من كلّ جهة ، وهم يعدّون البيت بناء لإبراهيم ، والحجّ من دينه الباقي بينهم بالتوارث .
ولاية الكعبة
كانت الولاية على الكعبة لإسماعيل ثمّ لولده من بعده ، حتّى تغلّبت عليهم جُرهُم فقبضوا بولايتها ، ثمّ ملكتها العماليق ، وهم طائفة من بني كركر بعد حروب وقعت بينهم ، وقد كانوا ينزلون أسفل مكّة كما أنّ جُرهُم كانت تنزل أعلى مكّة ، وفيهم ملوكهم .
ثم كانت الدائرة لجُرهم على العماليق ، فعادت الولاية إليهم ، فتولّوها نحوا من ثلاثمائة سنة ، وزادوا في بناء البيت ورفعته على ما كان في بناء إبراهيم .
ثمّ لمّا نشأت ولد إسماعيل وكثروا وصاروا ذوي قوّة ومَنَعة وضاقت بهم الدار حاربوا جُرهُم فغلبوهم وأخرجوهم من مكّة . ومقدّم الإسماعيليّين يومئذ عمرو بن لحيّ ، وهو كبير خُزاعة ، فاستولى على مكّة وتولّى أمر البيت ، وهو الذي وضع الأصنام على الكعبة ودعا الناس إلى عبادتها . وأوّل صنم وضعه عليها هو " هُبَل " ، حمله معه من الشام إلى مكّة ووضعه عليها ، ثمّ أتبعه بغيره ، حتّى كثرت وشاعت عبادتها بين العرب ، وهُجِرَت الحنيفية .
وفي ذلك يقول شحنة بن خلف الجُرهُميّ يُخاطب عمرو بنَ لُحَيّ :