من أقطار الأرض وآفاقها ، ونهى عن استقبالها واستدبارها في حالات ، ونَدَب إلى ذلك في أخرى ، فاحتفظ على قلب الإنسان بالتوجّه إلى بيت اللّه ، وأن لا ينسى ربّه في خلوته وجلوته ، وقيامه وقعوده ، ومنامه ويقظته ، ونُسكه وعبادته حتّى في أخسّ حالاته وأردأها ، فهذا بالنظر إلى الفرد .
وأمّا بالنظر إلى الاجتماع فالأمر أعجب والأثر أجلى وأوقع ؛ فقد جَمعَ الناسَ على اختلاف أزمنتهم وأمكنتهم على التوجّه إلى نقطة واحدة ، يمثّل بذلك وحدتهم الفكريّة وارتباط جامعتهم ، والتئام قلوبهم . وهذا ألطف روح يمكن أن تنفذ في جميع شؤون الأفراد في حيويّتها المادّيّة والمعنويّة ، تعطي من الاجتماع أرقاه ، ومن الوحدة أوفاها وأقواها ، خصّ اللّه تعالى بها عباده المسلمين ، وحفظ به وحدة دينهم ، وشوكة جمعهم ، حتّى بعد أن تحزّبوا أحزابا ، وافترقوا مذاهب وطرائق قِددا ، لا يجتمع منهم اثنان على رأي ، نشكر اللّه تعالى على آلائه . « 1 »
ج بحث تاريخيّ
من المتواتر المقطوع به أنّ الذي بنى الكعبة إبراهيم الخليل عليه السلام ، وكان القاطنون حولها يومئذ ابنه إسماعيل وجُرهُم « 2 » من قبائل اليمن ، وهي بناء مربّع تقريبا وزواياها الأربع إلى الجهات الأربع تتكسّر عليها الرياح ولا تضرّها مهما اشتدّت .
ما زالت الكعبة على بناء إبراهيم حتّى جدّدها العَمالِقة ثمّ بنو جُرهُم ( أو بالعكس ) كما مرّ في الرواية عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام .
ثمّ لمّا آل أمر الكعبة إلى قُصيّ بن كِلاب أحد أجداد النبيّ صلى اللّه عليه وآله ( القرن الثاني قبل
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 1 ص 337 .
( 2 ) جُرْهُم : حيّ من اليمن نزلوا مكّة وتزوّج فيهم إسماعيل بن إبراهيم عليهماالسلام ، وهم أصهاره ، ثمّ ألحدوا في الحرم فأبادهم اللّه تعالى ( لسان العرب : ج 12 ص 97 ) .