لأنّه استطاع أن يقاوم رغباته الطبيعيّة وميوله القلبيّة ، وتلك فضيلة لا تُباهى ومكرمة لا تُضاهى ، قال أمير المؤمنين عليه السلام :
ما أحسَنَ بِالإِنسانِ أن يَصبِرَ عَمّا يَشتَهي . « 1 »
ولمّا قال له رجلٌ : عظني يا أمير المؤمنين ، قال عليه السلام :
اترُك لِما تَبقى ما تَشتَهي أبَدا * كَفى بِمَن عَفَّ عَمّا يَشتَهي كَرَما « 2 »
لكن يجب الانتباه إلى أنّ مثل هذا الإنسان يمتنع عن رغباته بفضيلة الصبر وليس بفضيلة الزهد ؛ لأنّ الزهد درجة أعلى من الصبر ، إنّ الزهد عبارة عن غلبة عدم الرغبة القلبيّة في اللذائذ الضارّة على القلب بحيث تقع الرغبة الطبيعيّة تحت سيطرته ، فحينئذٍ لا يحتاج الزاهد في امتناعه عن اللذائذ الضارّة إلى الصبر والمقاومة ؛ لأنّه لا يشعر في وجوده بميل إليها ، ويشير أمير المؤمنين عليه السلام إلى هذه الفضيلة العظمى بقوله :
ما أحسَنَ بِالإِنسانِ ألّا يَشتَهِيَ ما لا يَنبَغي . « 3 »
وحينما يصل الإنسان إلى هذه المرتبة العالية فإنّه يصبح زاهدا ، ولا يبالي بإقبال الدنيا أو إدبارها ، فلا يفرح بإقبالها ولا يحزن على إدبارها ، يقول أمير المؤمنين عليه السلام في بيان صفة الزهد :
الزُّهدُ كُلُّهُ بَينَ كَلِمَتَينِ مِنَ القُرآنِ ، قالَ اللّهُ سُبحانَهُ :
" لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ "
. « 4 »
وما قدّمناه في بيان الزهد وفرقه عن الصبر ، تجد خلاصته في قول
هامش
( 1 ) غرر الحكم : ح 9648 ، عيون الحكم والمواعظ : 479 .
( 2 ) شرح الأخبار : ج 2 ص 382 ح 741 .
( 3 ) غرر الحكم : ح 9649 ، عيون الحكم والمواعظ : ص 479 ح 8806 وفيه " أجمل " بدل " أحسن " .
( 4 ) راجع : الدنيا والآخرة في الكتاب والسنة : ( القسم الثالث / الفصل الأوّل : تعريف الزهد وتحريفه : ح 803 ) .