يمثّل أهل الحديث أحد التيّارات العقيديّة المهمّة في الإسلام ، وهم لا يعتبرون أنفسهم من أهل الجبر ، ولكنّ كلامهم يستلزم الجبر . يذكر أحمد بن حنبل في رسالته الاعتقادية :
واللّه عز وجل قضى قضاءه على عباده ، لا يجاوزون قضاءه بل كلّهم صائرون إلى ما خلقهم له ، واقعون فيما قدّر عليهم لا محالة ، وهو عدل منه عز وجل . والزنى ، والسرقة ، وشرب الخمر ، وقتل النفس ، وأكل المال الحرام ، والشرك باللّه عز وجل ، والذنوب والمعاصي كلّها بقضاءٍ وقدرٍ من اللّه عز وجل ، من غير أن يكون لأحدٍ من الخلق على اللّه حجّة ، بل للّه عز وجل الحجّة البالغة على خلقه
" لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ "
« 1 » . . . ومن زعم أنّ اللّه عز وجل شاء لعباده الّذين عصوا الخير والطاعة ، وأنّ العباد شاؤوا لأنفسهم الشرّ والمعصية يعملون على مشيئتهم ، فقد زعم أنّ مشيئة العباد أغلب من مشيئة اللّه عز وجل . فأيّ افتراء على اللّه أكبر من هذا ؟ . « 2 »
إنّ الأشاعرة يُعدّون المصداق البارز للجبريّة المتوسّطة ، رغم أنّهم لا يعتبرون أنفسهم جبريّين . ويؤمن الأشعري بعموميّة القضاء والقدر الجبريّين في الأفعال ، ويرى أنّ كلّ الأشياء ومنها أفعال الإنسان الاختياريّة مخلوقة من قبل اللّه سبحانه . يقول أبو الحسن الأشعري ( المؤسس لنظرية الأشاعرة ) :
لافاعل له على حقيقته إلّا اللّه تعالى . « 3 »
وقد طرح نظريّة " الكسب " من أجل أن يتفادى الجبر وينسب دورا ما للإنسان ، فهو يرى أنّ القدرة القديمة هي وحدها المؤثّرة في الخلق وإيجاد الفعل ، وهذه القدرة للّه . وأمّا الإنسان فهو يتمتّع بالقدرة الحادثة ، وأثر هذه القدرة هو الإحساس بالحريّة والاختيار ، لا القيام بالفعل .
هامش
( 1 ) الأنبياء : 23 .
( 2 ) راجع : بحوث في الملل والنحل : ج 1 ص 161 .
( 3 ) اللمع : ص 39 .