العلمية التي دفعت بابن هشام إلى نقد الشعر الذي ورد في سيرة ابن إسحاق لم تسر على وتيرة واحدة ، إذ تأثر ابن هشام بوجهات نظر عصره عن أحداث السيرة ومواقف المشاركين فيها من صحابة مسلمين فضلا عن المشركين وغيرهم ، حيث وجدنا منه مجانبة للحقيقة حين غمط بعض الحقائق والروايات حقها حين وصفها بأنها مما يسوء ذكره ، فضلا عن امتناع شيخه من إجازته بروايتها ، ولمسنا غايات علمية من تصنيف أحمد بن فارس لمختصره في سيرة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم الذي ضغط أخبارها في ورقات معدودة لم تتعد أصابع اليدين ، ليسهل على الناس حفظها واستيعابها . هذا بالنسبة إلى الغايات العلمية ، أما بالنسبة إلى الغايات الأخلاقية ، فكانت هذه الغايات وراء الثراء بالتصنيف في سيرة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم وأحواله وجوانبه الشخصية ، الأمر الذي أدى إلى اختلاف المصنفات التي كتبت من اجل هذه الغاية من حيث طرحها للروايات وللأسلوب الذي انتهجته في كتابتها ، حتى وجدنا نوعين من هذه المصنفات : الأول : اختصر فيه أصحابه الروايات التي تعنى بسيرة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم وأحواله . أما النوع الثاني : فقد أسهب أصحابه في ذكر الأخبار والأحداث التي رويت عن سيرة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم .
سابعا : كان لتنوع وتشعب الصور التي كتب بها التأريخ عند المسلمين ، أثر فعال في تضمين مصنفات التأريخ في صورها كافة ، بسرد متباين لسيرة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم فيها ، يختلف بين مصنف وآخر بحسب حجم كل واحد منها ، وبحسب نظرة المؤرخ للحيز الذي تستحقه السيرة في كل مصنف من هذه المصنفات التاريخية ، الامر الذي أوجد خزينا معرفيا ثرا لسيرة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم يضاف إلى بقية مصنفات السيرة ومتعلقاتها . وقد أضفت
تطور كتابة السيرة النبوية عند المؤرخين المسلمين حتى نهاية العصر العباسي — صفحة 393
مساهمون: عمار عبودى محمد حسين نصار
ص٣٩٣