فأمر له بعشرة آلاف درهم ووقع في رقعته :
أعجلتنا فأتاك عاجل برّنا * قلّا ولو أنظرتنا لم يقلل
فخذ القليل وكن كأنّك لم تسل * ونكون نحن كأننا لم نسأل
( كامل ) وكان الحسن بن سهل أعظم الناس منزلة عند المأمون ، وكان المأمون شديد المحبة لمفاوضته ، فكان إذا حضر عنده طاوله في الحديث ، وكلّما أراد الانصراف منعه فانقطع زمان الحسن بذلك وثقلت الملازمة ، فصار يتراخى عن الحضور بمجلس المأمون ويستخلف أحد كتّابه كأحمد بن أبي خالد وأحمد بن أبي يوسف وغيرهما ، ثم عرضت له سوداء [ 1 ] كان أصلها جزعه على أخيه ، فانقطع بداره ليتطبّب واحتجب عن الناس إلا أنّه بقي أعلى الخلق مكانة ، واستوزر المأمون أحمد ابن أبي خالد ، فكان أحمد في كلّ وقت يقصد خدمة الحسن بن سهل ، وإذا حضر الحسن دار المأمون كان أعلى الناس مكانة ، ولما انقطع الحسن بن سهل بمنزله هجاه بعض الشّعراء بقوله :
تولّت [ 2 ] دولة الحسن بن سهل * ولم أبلل [ 3 ] لهاني من نداها
فلا تجزع على ما فات منها * وأبكى الله عيني من بكاها
( وافر ) ومات الحسن بن سهل في سنة ستّ وثلاثين ومائتين في أيّام المتوكّل .
وزارة أحمد بن أبي خالد الأحول للمأمون
هو من الموالي ، كان أحمد جليل القدر من عقلاء الرجال ، وكان كاتبا سديدا فصيحا لبيبا ، بصيرا بالأمور ، قال له المأمون : إن الحسن بن سهل قد لزم منزله ، وإنّني أريد أن أستوزرك ، فتنصّل [ 4 ] أحمد من الوزارة ، وقال : يا أمير
هامش
[ 1 ] السّوداء : هنا ، الحزن والكآبة الملازمان كمرض .
[ 2 ] تولّت : ذهبت .
[ 3 ] لم أبلل لهاتي : لم أرطّب حلقي ، كناية عن عدم الفائدة .
[ 4 ] تنصّل : استعفى وحاول الخلاص .