تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفخرى في الآداب السلطانية والدول الاسلامية — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
من جنس هذه الحكاية ؟ . وأما قوة السّياسة عنده فعظيمة ، لم تعترضها هضيمة [ 1 ] ، فلا تغرنكم رقته وابتسامه ، فإنّ وراء ذلك صرامة يخضع لها الأسود ، وشهامة يحذرها السيّد والمسود .
هو البحر غص فيه إذا كان ساكنا * على الدّرّ ، واحذره إذا كان مزبدا
( طويل ) وأما قوّة الذكاء والتيقّظ فهو فيها كما قال المتنبّي :
تعرف في عينه حقيقته * كأنه بالذكاء مكتحل أشفق عند اتقاد فكرته * عليه منها ، أخاف يشتعل
( منسرح ) وأمّا قوّة العقل الغزير ، والتمييز الصحيح ، فإنّي لأظنّ أنّ عقلاء الملوك الماضين لو عاشوا وشاهدوه لتعلّموا منه كيف يساس الجمهور ، وكيف تدبّر الأمور وأما قوّة الكرم الّذي تجاوز الحدّ وخرج ، فحدّث عن البحر ولا حرج ، فلو عاش الكرام الذين ضربت بهم الأمثال وعدمت لهم النظراء والأمثال ، لتعلّموا منه غوامض الكرم ولتلقّفوا منه محاسن الشيم ، ولو أنصفت لتركت وصف هذه القوّة من قواه عجزا عن الإحاطة بكنه وصفها ، وقصورا عن القيام بواجب وصفها ، ولكنّي أقول بحسب الجهد والطاقة : إن احتقاره للدنيا احتقار الأولياء ، واستصغاره لها استصغار الزّهاد :
فلو جاد بالدنيا وثنّى بضعفها * لظنّ من استصغاره أنّه ضنّا
( طويل ) يعطي عطاء من يبقى الذّكر ويحييه ، وينفد المال ويفنيه .
أعاذل ، إنّ الجود ليس بمهلكي * ولا يخلد النفس الشحيحة لومها [ 2 ] وتذكر أخلاق الفتى ، وعظامه * مغيّبة في التّرب بال رميمها
( طويل )
هامش
[ 1 ] الهضيمة : المظلمة . [ 2 ] اللّوم : اللّؤم ، بتليين الهمزة جوازا ، وهو ضدّ الكرم .