فقال : ما صنعت مع قبائل كندة ، فقال : صنعت ، والله إني لقيت قوما لهم أقدار وأخطار صبر على الموت فلم أزل أحاربهم حتى علمت أن انتصافهم مني أكثر من انتصافي منهم ، وأتاني كتابك بخبر الأشعث أنه بعث إليك يسألك الأمان ، فكففت عن حرب القوم وانصرفت إليكم .
فقال زياد : لا والله ، ولكنك جبنت وضعفت وكففت عن الحرب ، ألم آمرك أن تضع سيفك فيهم ، ثم لا ترفعه عنهم وفيهم عين تطرف ، فعصيتني وأحببت العافية ، وانصرفت إليّ بأصحابك خوفا من أن تفوتك الغنيمة ، قبح الله من يزعم أنك شجاع القلب بعد هذا . فغضب عكرمة من ذلك فقال : أما والله يا زياد ، إن لقيتهم وقد أزمعوا على حربك لرأيت أسودا تحمي أشبالا وتكافح أبطالا ، ذات أنياب حداد ومخاليب شداد ، لتمنيت أنهم ينصرفون عنك ويخلونك ، وبعد فإنك أظلم وأغشم وأجبن قلبا ، وأشح نفسا ، وأيبس كفا ، إذ قاتلت هؤلاء القوم ، وأنشبت هذه الحرب بينك وبينهم بسبب ناقة واحدة ، لا أقل ولا أكثر ، ولو لم أعنك بجنودي هؤلاء لعلمت أنك تكون رهين سيوفهم ، وأسير جوامعهم . ثم أنشأ عكرمة يقول :
( من الكامل )
1 - ما كنت بالرّعش الكهام وإنّني * قدما غداة الرّوع غير نكوص
2 - قتل الكماة إذا الحروب تسعّرت * بالمرهفات لذي حذر [ 1 ] رخيص
3 - لاقيت قوما أفزعوك بوقعهم * حتّى اتسعت وقلت أين محيصي
4 - لو لم أعنك لكنت رهن سيوفهم * تغري الخوامع منك كلّ قلوص [ 2 ]
قال : ثم نادى عكرمة في أصحابه وهمّ بالرحيل ، فاعتذر إليه زياد مما تكلم به ، فقبل عكرمة عذره .
هامش
[ 1 ] في الأصل : ( لذي حد ) .
[ 2 ] في الأصل : ( تغري الجوامع ) .
الخوامع : الضباع ، جمع خامعة .