وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم بالحرّ حتى ماتوا ، ثم اختلفوا في حكم الآيتين . فقال بعضهم : هي منسوخة لأن المثلة لا تجوز وشرب بول الإبل لا يجوز .
وقال آخرون : حكمه ثابت إلاّ السمل والمثلة . قال الليث بن سعد : نزلت هذه الآية معاتبة لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم وتعليماً منه إيّاه عقوبتهم فقال : ( إنما جزاؤهم هذا ) أي المثلة .
ولذلك ما قام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خطيباً إلاّ نهى عن المثلة ، واختلفوا في المحارب الذي يستحق هذا الحد .
فقال بعضهم : واللص الذي يقطع الطريق والمكابر في الأمصار والذي يحمل السلاح على المسلمين ويقصدهم في أي موضع كان حتى كان بالغيلة . وهو الرجل يخدع الرجل والمرأة والصبي فيدخله بيتاً ويخونوا به فيقتله ويأخذ أمواله وهذا قول الأوزاعي ومالك والليث بن سعد وعبد اللّه بن لهيعة والشافعي . وقال بعضهم : فهو قاطع الطريق ، وأما المكابر فليس بالمحارب وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه " * ( ويسعون في الأ رض فساداً ) * ) بالفساد أي بالزنا والقتل إهلاك الحرث والنسل " * ( أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا ) * ) اختلفوا في حكم الآية .
فقال قوم : الإمام فيهم بالخيار فأي شيء من هذه الأشياء شاء فعل . وهو قول الحسن وسعد بن المسيب والنخعي ومجاهد ورواية الوالبي عن ابن عباس .
واحتجّوا بقوله تعالى " * ( ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) * ) وبقوله تعالى في كفّارة اليمين " * ( فكفّارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم ) * ) الآية .
وقال آخرون : هذا حكم مختلف باختلاف الجناية ، فإن قتل قُتل ، وإن قتل وأخذ المال قتل وصلب ، وإن أخذ المال ولم يقتل قطع ، وإن أخاف السبيل ولم يقتل وأخذ المال نفي . وهذا قول سعيد بن جبير ، وقتادة ، والسدّي ، والنخعي والربيع . ورواية العوفي عن ابن عباس .
فاختلف العلماء في معنى النفي ، فقال ابن عباس : هو حكم من أعجز فإذا أعجزك أن تدركه وخرج من لقيه ، قتله .
وقال آخرون : والمقبوض عليه ثم اختلفوا في معناه ، فقال طائفة : هو أن ينفى من بلدته إلى بلدة أخرى غيرها وهو قول سعيد بن جبير ، وعمر بن عبد العزيز . وإليه ذهب الشافعي .
وقال الآخرون والحسن ، وهو مذهب أبي حنيفة ، وقال محمد بن الحسن : هو نفيه من
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 56
مساهمون: الثعلبي
ص٥٦