قال العلماء في معنى هذا الحديث : لأنه عرّف العسر ونكّر اليسر ، ومن عادة العرب إذا ذكرت اسماً معرفة ثم أعادته فهو هو ، وإذا نكرّته ثم كررته فهما اثنان ، وقال الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني صاحب كتاب ( النظم ) وهو يكلم الناس في قوله ( عليه السلام ) : ( لن يغلب عسر يسرين ) : فلم يحصل غير قولهم : إن العسر معرفة واليسر نكرة مكررة ، فوجب أن يكون ( عسر ) واحد ويسران ، وهذا قول مدخول ( إذ ) لا يجب على هذا التدريج إذا قال الرجل : إنّ مع الفارس سيفاً إنّ مع الفارس سيفاً أن يكون الفارس واحداً والسيف اثنين ، ولا يصح هذا في نظم العربية .
فمجاز قوله : ( لن يغلب عسر يسرين ) إن الله بعث نبيّه ( عليه السلام ) مقلاّ مخففاً فعيّره المشركون لفقره ، حتى قالوا أنجمع لك مالا ؟ فاغتمّ ، فظنّ أنهم كذّبوه لفقره ، فعزّاه الله سبحانه وتعالى وعدد عليه نعماءه ووعده الغنى فقال : " * ( ألم نشرح لك صدرك ) * ) إلى قوله " * ( ذكرك ) * ) ، فهذا ذكر امتنانه عليه ، ثم ابتدأ ما وعده من الغنى ليسلّبه مما خامر قلبه ، فقال " * ( فإنّ مع العسر يسرا ) * ) ، والدليل عليه دخول الفاء في قوله ( فإنّ ) ولا يدخل الفاء أبداً إلاّ في عطف أو جواب .
ومجازه : لا يحزنك ما يقولون فان مع العسر يسراً في الدنيا عاجلا ، ثم أنجزه ما وعده وفتح عليه القرى العربية ، ووسّع ذات يده ، حتى يهب المائتين من الإبل ، ثم ابتدأ فضلا آخر من الآخرة فقال تأسيةً له : " * ( إن مع العسر يسرا ) * ) ، والدليل على ابتدائه تعرّيه من الفاء والواو وحروف النسق فهذا عام لجميع المؤمنين ، ومجازه : إنّ مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسراً في الآخرة لا محالة ، فقوله : ( لن يغلب عسر يسرين ) أي لن يغلب عسر الدنيا اليسر الذي وعد الله المؤمنين في الدنيا ، واليسر الذي وعدهم في الآخرة ، إنما يُغلب أحدهما وهو يسر الدنيا ، فأمّا يسر الآخرة فدائم غير زايل ؛ اي لا يجمعهما في الغلبة ، كقوله ( عليه السلام ) ( شهرا عيد لا ينقصان ) اي لا يجتمعان في النقصان .
وقال أبو بكر الوراق : مع ( أختها ) بالدنيا جزاء الجنة ، قال القاسم : ( بردا هذه السعادة من أسحار ) الدنيا إلى رضوان العقبى ، وقراءة العامة بتخفيف السينين ، وقرأ أبو جعفر وعيسى ، بضمهما ، وفي حرف عبد الله : إنّ مع العسر يسراً ، مرة واحدة غير مكررة .
أخبرني أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين بن محمد الرمجاري وأبو الحسن علي بن محمد ابن محمد البغدادي قالا : حدّثنا محمد بن يعقوب الأصم قال : حدّثنا أحمد بن شيبان الرملي قال : حدّثنا عبد الله بن ميمون القداح قال : حدّثنا شهاب بن خراش ، عن عبد الملك بن عمير ، عن ابن عباس قال : أُهدي للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة ، أهداها له كسرى فركبها بحبل من شعر ،
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 234
مساهمون: الثعلبي
ص٢٣٤