تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
الباب الأعظم من أبواب مكّة ، فسمعت منادياً ينادي : هنيئاً لكِ يا بطحاء مكة ، اليوم يرد عليك النور والدين والبهاء والجمال ، قالت : ثم وضعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقضي حاجة وأصلح ثيابي ، فسمعت هدّة شديدة ، فالتفت فلم أره ، فقلت : معاشر الناس أين الصبي ؟ فقالوا : أي الصبيان ؟ قلت : محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، الذي نضرّ الله به وجهي ، وأغنى عيلتي ، ربيّته حتى إذا أدركت فيه سروري وأملي أتيت به لأردّه ، وأخرج هذا من أمانتي ، اختلس من بين يدي قبل أن يمس قدمه الأرض ، واللات والعزى لئن لم أره لأرمينّ بنفسي من شاهق الجبل ، فلأقطعنّ إرباً إرباً . قالوا : ما رأينا شيئاً ، فلمّا آيسوني وضعت يدي على أم رأسي ، وقلت : وا محمداه واولداه ، فأبكيت الجواري الأبكار لبكائي ، وضجّ الناس معي بالبكاء حرقةً لي ، فإذا أنا بشيخ كالفاني يتوكأ على عصا ، قال : مالك أيتها السعدية ؟ قلت : فقدت ابني محمداً ، فقال : لا تبكي أنا أدلّك على من يعلم علمه ، وإن شاء أن يردّه فعل ، قلت : فدتك نفسي ، ومن هو ؟ قال : الصنم الأعظم هبل . قالت : فدخل وأنا أنظر ، فطاف بهبل وقبّل رأسه وناداه : يا سيداه ، لم تزل منتك على قريش قديمة ، وهذه السعدية تزعم أن ابناً لها قد ضلّ ، فردّه إن شئت ، وأخرج هذه الوحشة عن بطحاء مكة ، فإنها تزعم أن ابنها محمداً قد ضلّ ، قال : فانكب هبل على وجهه ، وتساقطت الأصنام ، وقالت : إليك عنّا أيها الشيخ . إنما هلاكنا على يدي محمد . قالت : فأقبل الشيخ أسمع لأسنانه اصطكاكاً ، ولركبته ارتعاداً ، وقد ألقى عكازته من يده وهو يقول : يا حليمة إن لابنك رباً لا يضيّعه فاطلبيه على مهل ، قالت : فخفت أن يبلغ الخبر عبد المطلب قبلي ، فقصدته فلمّا نظر اليّ ، قال : أسعد نزل بكِ أم نحوس ؟ ، قلت : بل النحس الأكبر ، ففهمها منّي ، وقال : لعلّ ابنك ضلّ منك ، قالت : قلت : نعم فظنَّ أن بعض قريش قد اغتاله ، فسلّ عبد المطلب سيفه لا يثبت له أحد من شدة غضبه ، ونادى بأعلى صوته : يا آل غالب ، يا آل غالب ، وكانت دعوتهم في الجاهلية فأجابته قريش بأجمعها ، وقالوا : ما قصتك ؟ ، قال : فُقد ابني محمد ، قالت قريش : اركب نركب معك ، فإنْ تسنّمت جبلا تسنماه معك ، وان خضت بحراً خضناه معك ، فركب وركبت قريش معه فأخذ على أعلى مكة وانحدر على أسفلها ، فلمّا أن لم ير شيئاً ترك الناس واتشح وارتدى بآخر ، وأقبل إلى البيت الحرام ، فطاف اسبوعاً ثم أنشأ يقول : يا ربّ ردّ راكبي محمداً ردّه ربي واتخذ عندي يدا يا ربّ إنْ محمد لم يوجدا مجمع قومي كلّهم مبدّدا فسمعنا منادياً ينادي من الهواء : معاشر الناس لا تضجوا ، فان لمحمد ربّاً لا يخذله ولا
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 227 | الثعلبي / الإمام أبي محمد بن عاشور / نظير الساعدي