المشركون : إنّ محمداً ودعّه ربّه وقلاه ، ولو كان أمره من الله لتتابع عليه كما كان يفعل بمن قبله من الأنبياء .
وقال المسلمون : يا رسول الله أما ينزل عليك الوحي ؟ فقال : ( وكيف ينزل عليّ الوحي وأنتم لا تنقون براجمكم ولا تقلّمون أظفاركم ) ، فأنزل الله سبحانه جبرائيل ( عليه السلام ) بهذه السورة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( يا جبرائيل ما جئت حتى اشتقت إليك ) ، فقال جبرائيل ( عليه السلام ) : وأنا كنت إليك أشدّ شوقاً ولكني عبد مأمور وما ننزل إلاّ بأمر ربّك .
أخبرنا عبد الله بن حامد قال : أخبرنا محمد بن يعقوب قال : حدّثنا الحسن بن علي بن عفان قال : حدّثنا أبو أُسامة ، عن سفيان ، عن الأسود بن قيس ، أنه سمع جندب بن سفيان يقول : رمي النبي صلى الله عليه وسلم بحجر في إصبعه ، فقال :
( هل أنتِ إلاّ إصبع دميتِ
وفي سبيل الله مالقيتِ )
فمكث ليلتين أو ثلاثاً لا يقوم ( الليل ) ، فقالت له امرأة : يا محمد ما أرى شيطانك إلاّ قد تركك ، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث ليال . وقيل : إنّ المرأة التي قالت ذلك أم جميل امرأة أبي لهب ، فأنزل الله سبحانه " * ( والضحى ) * ) . يعني النهار كلّه ، دليله قوله " * ( والليل إذا سجى ) * ) فقابله بالليل ، نظيره قوله " * ( أن يأتيهم بأسنا ضحى ) * ) أي نهاراً ، وقال قتادة ومقاتل : يعني وقت الضحى ، وهي الساعة التي فيها ارتفاع الشمس ، واعتدال النهار من الحر والبرد في الشتاء والصيف ، وقيل : هي الساعة التي كلّم الله فيها موسى ، وقيل : هي الساعة التي أُلقي السحرة فيها سجّدا ، بيانه قوله سبحانه : " * ( وأن يحشر الناس ضحى ) * ) وقال أهل المعاني فيه وفي أمثاله : بإضمار الربّ مجازه : وربّ الضحى .
" * ( والليل إذا سجى ) * ) قال الحسن : أقبل بظلامه ، وهي رواية العوفي عن ابن عباس ، الوالبي عنه : إذا ذهب الضحّاك : غطّى كلّ شيء ، مجاهد وقتادة وابن زيد : سكن بالخلق واستقر ظلامه ، يقال : ليل ساج ، وبحر ساج إذا كان ساكناً ، قال الراجز :
يا حبذا القمراء والليل الساج
وطرق مثل ملاء النسَّاج
وقال أعشى بني ثعلبة :
فما ذنبنا إن جاش بحر ابن عمّكم
وبحرك ساج ما يواري الدّعامصا
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 223
مساهمون: الثعلبي
ص٢٢٣