* ( يا يحيى ) * القلب * ( خذ ) * كتاب العلم ، والمسمى بالعقل الفرقاني * ( وآتيناه الحكم ) * أي : الحكمة * ( صبيا ) * قريب العهد بالولادة المعنوية * ( وحنانا من لدنا ) * أي :
رحمة بكمال تجليات الصفات * ( وزكاة ) * أي : تقدسا وطهارة بالتجرد * ( وكان تقيا ) *
مجتنبا صفات النفس * ( وبرا بوالديه ) * الروح والنفس * ( وسلام عليه ) * أي : تنزه وتقدس
عن ملابسة المواد * ( يوم ولد ويوم يموت ) * بالفناء في الوحدة * ( ويوم يبعث ) * بالبقاء بعد
الفناء * ( حيا ) * بالله .
تفسير سورة مريم من [ آية 16 - 21 ]
* ( واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا ) * المكان الشرقي هو
مكان العالم القدسي لاتصالها بروح القدس عند تجردها وانتباذها عن ممكن الطبيعة
ومقر النفس وأهلها القوى النفسانية والطبيعية . والحجاب الذي اتخذته من دونهم هو
حظيرة القدس الممنوع من أهل عالم النفس بحجاب الصدر الذي هو غاية مبلغ علم
القوى المادية ومدى سيرها ، وما لم تترق إلى العالم القدسي بالتجرد لم يمكن إرسال
روح القدس إليها ، كما أخبر عنه تعالى في قوله : * ( فأرسلنا إليها روحنا ) * وإنما تمثل لها
بشرا سوي الخلق ، حسن الصورة ، لتتأثر نفسها به وتستأنس فتتحرك على مقتضى الجبلة
ويسري الأثر من الخيال في الطبيعة فتتحرك شهوتها ، فتنزل كما يقع في المنام من
الاحتلام وتنقذف نطفتها في الرحم فيتخلق منه الولد . وقد مر أن الوحي قريب من
المنامات الصادقة لهذه القوة البدنية وتعطلها عن أفعالها عنده كما في النوم ، فكل ما يرى
في الخيال من الأحوال الواردة على النفس الناطقة المسماة في اصطلاحنا : قلبا ،
والاتصالات التي لها بالأرواح القدسية يسري في النفس الحيوانية والطبيعية وينفعل منه
البدن . وإنما أمكن تولد الولد من نطفة واحدة لأنه ثبت في العلوم الطبيعية أن مني الذكر
في تكون الولد بمنزلة الإنفحة في الجبن ، ومني الأنثى بمنزلة اللبن أي : العقد من مني
الذكر ، والانعقاد من مني الأنثى لا على معنى أن مني الذكر ينفرد بالقوة العاقدة ومني
الأنثى بالقوة المنعقدة . بل على معنى أن القوة العاقدة في مني الذكر أقوى والمنعقدة في
مني الأنثى أقوى وإلا لم يمكن أن يتحدا شيئا واحدا . ولم ينعقد مني الذكر حتى يصير
جزء من الولد ، فعلى هذا إذا كان مزاج الأنثى قويا ذكوريا كما تكون أمزجة النساء
تفسير ابن عربي — صفحة 5
مساهمون: ابن عربي
ص٥