الاستدلال * ( إن كنتم مؤمنين ) * بالقوة ، أي : إن بقي نور الفطرة والإيمان الأزلي فيكم .
* ( هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ) * من بيان تجليات الأفعال والصفات
والذات * ( ليخرجكم ) * من ظلمات صفات النفس والهيئات البدنية المستفادة من الحس
إلى تنور القلب ومن ظلمات صفات القلب إلى نور الروح ومن ظلمات وجوداتكم
وإنباتكم إلى نور الدين ، وهي الظلمات المشار إليها بقوله : * ( ظلمات بعضها فوق بعض ) * [ النور ، الآية : 40 ] * ( وإن الله بكم لرؤوف رحيم ) * يدفع آفة النقصان عنكم بهبة
الاستعداد وتوفيق الهداية إلى إزالة الحجب ببعث الرسول وتعليمه إياكم ، رحيم بإفاضة
الكمالات مع حصول القبول بتزكية النفوس وتصفية الاستعدادات .
* ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ) * أي : بذلوا أموالهم وأنفسهم قبل
الفتح المطلق الذي كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعراج التام والوصول إلى حضرة الوحدة
* ( أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ) * لقوة استعدادهم وشدة أنوار باطنهم
الأصلية عرفوه وألفوه بتسام الروح وظهرت عليهم كمالاتهم من غير واسطة تأثيره فيهم
وهم الذين غلبت عليهم القوة القدسية التي * ( يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ) * [ النور ،
الآية : 35 ] ، وأما * ( الذين أنفقوا من بعد ) * فلضعف استعداداتهم وقلة نوريتها احتاجوا إلى
قوة تأثيره فيهم وإخراج كمالاتهم إلى الفعل * ( وكلا وعد الله ) * المثوبة * ( الحسنى ) *
لحصول اليقين وظهور الكمال كيف كان مع تفاوت الدرجات بما لا تحصى ، إذ
الآخرون هم الذين حازوا الكمال الخلقي في مقام النفس الذين أقرضوا الله أموالهم رغبة
في الإضعاف من الثواب وكرامة الأجر ، والأولون هم السابقون الذين تجردوا عنها ابتغاء
مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم في طريق الحق فهم المؤمنون الذين * ( يسعى نورهم بين أيديهم ) * لكونهم على الصراط المستقيم متوجهين إلى وجه الله بتوحيد الذات ،
والمتأخرون هم الذين يسعى نورهم بإيمانهم لكونهم أصحاب اليمين من المؤمنين
والمؤمنات الكائنين في مقام القلب واليقين * ( بشراكم اليوم ) * خطاب لكلا الفريقين مع
تغليب السابقين لذكر الجنات الثلاث ، ووصف الفوز بالعظم إذ عظم الفوز إنما هو
للفرقة الثالثة ، وأما فوز من دونهم من أصحاب الجنتين فموصوف بالكبير والكريم .
تفسير سورة الحديد من [ آية 13
تفسير ابن عربي — صفحة 300
مساهمون: ابن عربي
ص٣٠٠