تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
رحمته كل شيء ، وحق لها إذا وسعت . وسعت إلى طاعته السماوات والأرض . حين قال * ( ائتيا طوعا أو كرها ) * فأطاعت وسمعت . أحمده لصفات بهرت ، وأشكره على نعم ظهرت ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة عن اليقين صدرت ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، بعثه والفتنة قد احتدت ، والحاجة قد اشتدت ، ويد الضلال قد امتدت ، وظلمات الظلم قد اسودت ، والجاهلية قد أخذت نهايتها ، وبلغت غايتها ، فجاء بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فملك عنانها ، وكبت أعيانها ، وظهرت آياته في الجبابرة ، فهلكت فرسانها ، وفي القياصرة فنكست صلبانها ، وفي الأكاسرة فصدعت إيوانها ، وأوضح على يده المحجة وأبانها ، صلى الله عليه وعلى آله فروع الأصل الطيب ، فما أثبتها شجرة وأكرم أغصانها . أيها الناس خافوا الله تأمنوا في ضمان وعده الوفي ، ولا تخافوا الخلق وإن كثروا ، فإن الخوف منهم شرك خفي ، ألا وإن من خاف الله . خاف منه كل شيء ، ومن لم يخف الله خاف من كل شيء . وإنما يخاف عز الربوبية من عرف من نفسه ذل العبودية ، والاثنان لا يجتمعان في القلب ، ولا تنعقد عليهما النية . فاختاروا لأنفسكم ، إما الله تعالى ، وإما هذه الدنيا الدنية ، فمن كانت الدنيا أكبر همه لم يزل مهموما ، ومن كان زهرتها نصب عينه لم يزل مهزوماً ، ومن كانت جدتها غاية وجده لم يزل معدما حتى يصير معدوما . فالله الله عباد الله ، الاعتبار الاعتبار ، فأنتم السعداء إذا وعظتم بالأغيار ، أصلحوا ما فسد ، فإن الفساد مقدمة الدمار ، واسلكوا الجد تنجوا في الدنيا من العار ، وفي الآخرة من النار ، واتقوا الله ، وأصلحوا تفلحوا ، وسلموا تسلموا ، وعلى التوبة صمموا واعزموا ، فما أشقى من عقد التوبة بعد هذه العبر ثم حلها ، ألا وإن ذنبا بعد التوبة أقبح من سبعين قبلها ' . توفي ابن المنير في مستهل ربيع الأول بالثغر .