رحمته كل شيء ، وحق لها إذا وسعت . وسعت إلى طاعته السماوات والأرض .
حين قال * ( ائتيا طوعا أو كرها ) * فأطاعت وسمعت .
أحمده لصفات بهرت ، وأشكره على نعم ظهرت ، وأشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له ، شهادة عن اليقين صدرت ، وأشهد أن محمدا عبده
ورسوله ، بعثه والفتنة قد احتدت ، والحاجة قد اشتدت ، ويد الضلال قد
امتدت ، وظلمات الظلم قد اسودت ، والجاهلية قد أخذت نهايتها ، وبلغت
غايتها ، فجاء بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فملك عنانها ، وكبت أعيانها ،
وظهرت آياته في الجبابرة ، فهلكت فرسانها ، وفي القياصرة فنكست صلبانها ،
وفي الأكاسرة فصدعت إيوانها ، وأوضح على يده المحجة وأبانها ، صلى الله
عليه وعلى آله فروع الأصل الطيب ، فما أثبتها شجرة وأكرم أغصانها .
أيها الناس خافوا الله تأمنوا في ضمان وعده الوفي ، ولا تخافوا الخلق
وإن كثروا ، فإن الخوف منهم شرك خفي ، ألا وإن من خاف الله . خاف منه كل
شيء ، ومن لم يخف الله خاف من كل شيء . وإنما يخاف عز الربوبية من
عرف من نفسه ذل العبودية ، والاثنان لا يجتمعان في القلب ، ولا تنعقد
عليهما النية . فاختاروا لأنفسكم ، إما الله تعالى ، وإما هذه الدنيا الدنية ، فمن
كانت الدنيا أكبر همه لم يزل مهموما ، ومن كان زهرتها نصب عينه لم يزل
مهزوماً ، ومن كانت جدتها غاية وجده لم يزل معدما حتى يصير معدوما .
فالله الله عباد الله ، الاعتبار الاعتبار ، فأنتم السعداء إذا وعظتم بالأغيار ،
أصلحوا ما فسد ، فإن الفساد مقدمة الدمار ، واسلكوا الجد تنجوا في الدنيا
من العار ، وفي الآخرة من النار ، واتقوا الله ، وأصلحوا تفلحوا ، وسلموا
تسلموا ، وعلى التوبة صمموا واعزموا ، فما أشقى من عقد التوبة بعد هذه
العبر ثم حلها ، ألا وإن ذنبا بعد التوبة أقبح من سبعين قبلها ' .
توفي ابن المنير في مستهل ربيع الأول بالثغر .
تاريخ الإسلام — صفحة 138
مساهمون: الذهبي
ص١٣٨