تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح ديوان ابن الفارض — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨

المعنى :

إعراض الحبيبة موجب لذهاب الأرواح وإقبالها مذهب للعقول ولا جناح :
الموت إن ولّت وإن هي أقبلت * وقع السهام ونزعهنّ أليم
وفي البيت جناس الاشتقاق بين ولّت وتولّت ، والمقابلة بين تولّت وتجلت ، وقال رضي اللّه عنه في التائيّة الصغرى :
فإن عرضت أطرق حياء وهيبة * وإن أعرضت أشفق فلم أتلفّت
( ن ) : يعني إذا أعرضت عني هذه المحبوبة فإن روحي تذهب وتصير نفسا والروح من أمر اللّه لقوله تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[ الإسراء : الآية 85 ] والنفس أمّارة بالسوء وهي تموت بحكم قوله تعالى :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
[ آل عمران : الآية 185 ] وهي التي تفنى ثم تعود يوم القيامة للجزاء الخير أو الشّرّ ، والروح لا تموت أبدا . وقوله : وإذا تجلّت ، يعني ظهرت للسالك صارت الألباب ، أي العقول فيا والفيء مهموز حذفت همزته تخفيفا إما بمعنى الظلّ وجمعه أفياء كنّى به عن رسوم الأمر الإلهي وهو ظهور الروح عنه بلا واسطة ، أو كنّى بالفيء عن الغنيمة التي يظفر بها المحارب من مال العدو ، يعني صارت العقول غنائم لها فانتهبتها ، ويؤيّد الأول إشارة قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ
[ الفرقان : الآية 45 ] إلى قوله :
ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً
( 46 ) [ الفرقان : الآية 46 ] . اه .
وأبى يتلو إلّا يوسفا حسنها كالذّكر يتلى عن أبيّ « أبى » : فعل ماض بمعنى كره . و « يتلو » بمعنى يتبع ، يقال تلا زيد عمرا في صنعه ، تبعه فيه ، وفعل مثل فعله . ويوسف هذا هو ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم والضمير في حسنها لميّ . والذّكر بالكسر القرآن الكريم قال اللّه تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
( 9 ) [ الحجر : الآية 9 ] . و « يتلى » بمعنى يقرأ من تلا القرآن . و « أبيّ » : هو أبيّ بن كعب الصحابي رضي اللّه عنه . وروي عن أنس رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قرأ على أبيّ بن كعب سورة
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ البيّنة : الآية 1 ] وقال صلى اللّه عليه وسلّم : « أمرني اللّه عزّ وجلّ أن أقرأ عليك » وهي منقبة عظيمة لأبيّ رضي اللّه عنه لم يشاركه فيها أحد من الناس . وكان عمر رضي اللّه عنه يقول أبيّ سيّد المسلمين .