لم توصف ولم تذكر ولا شك في ذلك فإن أول مخلوق قبل كل شيء هو الحقيقة المحمدية وهو النور المادي الذي خلق اللّه تعالى منه كل شيء ، وجماله وحسنه هو كل الجمال وكل الحسن . فإذا وصف الواصفون ما عسى أن يصفوا لا يبلغوا ذلك . اه .
ولقد صرفت لحبّه كلّي على يد حسنه فحمدت حسن تصرّفي
[ المعنى ]
أرباب الحقائق يقولون الشرط بذل النفس أوّل مرة والحب أعطه الكلّ حتى يعطيك البعض ، وعباراتهم وإن اختلفت في اللفظ متفقة في المعنى وما ذاك إلا أن مطلب المحبّين عزيز لا ينال إلا ببذل الروح في مقام الامتهان من حرزها الحريز .
وما ألطف المناسبة في قوله : « صرفت لحبّه على يد حسنه » كأن الحب قد جعل الحسن وكيلا له في استيفاء ما له من الحقوق الواجبة على من اتّصف به . وقوله « فحمدت حسن تصرّفي » : لأن مآل الفناء وعاقبة الموت الحياة ، ومن كانت نتيجة تصرّفه الرّضا بالمطلوب والاجتماع بجمال المحبوب كان محمود التصرّف مفقود التأسّف :
هو الحب إن لم تقض لم تقض مأربا * من الحب فاختر ذاك أو خلّ خلّتي
وجانب جناب الوصل هيهات لم يكن * وها أنت حيّ إن تكن صادقا مت
( ن ) : ولقد : الواو للاستئناف ، واللام : موطئة لقسم مقدّر تقديره واللّه لقد صرفت لحبّه باللام ، أي لأجل محبتي له ، والضمير للمحبوب الحقيقي ، وقوله كلّي :
أي باطني وظاهري . اه .
فالعين تهوى صورة الحسن الّتي روحي بها تصبو إلى معنى خفي
[ المعنى ]
هذا البيت يشير إلى أن العين تنظر الصورة المحسوسة وتسوق ذلك إلى الروح فتستفيد منه خلاصته ، وهو معنى الحسن الذي يليق بالروح ، فالحسن سبب لسوق المعنى إلى جانب الروح ، ولعل المعنى الخفي الذي هو حصة الروح من نظر العين هو العشق لموجدها والحبّ لمبرزها ، ولذلك يقولون المحبّ الصادق لا يهوى الصورة المحسوسة وإنما هو فان في المعاني اللطيفة المأنوسة ، ولنا فيما يقرب من هذا المعنى :
تحقّق أني فيه أصبحت مغرما * ولكنه لم يدر ما سبب الحب
تعشقت منه حالة لست قادرا * على وصفها إذ لم يذقها سوى قلبي