تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
وجرت له أمور ، ثم سار مع صاحب الشام الملك الناصر لقصد الديار المصرية ، فأسر في وقعة العباسية سنة ثمان وأربعين ، وبقي محبوسا في قلعة الجبل إلى أن وقع الصلح في سنة إحدى وخمسين ، وأطلق فيمن أطلق ، وعاد إلى معاداة الملك الناصر . وكان له مكاتبات إلى التتار ، وله قصاد ، لما بقي بالرحبة وتلك البلاد المتطرفة . فلما ملك هولاوو قصده فأقبل عليه وأكرمه ، واستعان به في تسلم القلاع ، ثم ولاه نيابة الشام ، وأعاد إليه مدينة حمص . ولما مر به الملك الناصر تحت حوطة التتر نزل به ، فلم يلتفت عليه ووبخه وعنفه . ثم إن الملك المظفر قطز بعث إليه يستميله ويلومه على ميله إلى العدو المخذول ، ويعده بأمور ، فأجاب . فلما طلبه النوين كتبغا لحضور المصاف تمرض واعتل بالمرض ، وكان إذ ذاك بدمشق . فلما انكسرت التتار هرب هو والزين الحافظي والتتار . ثم انفصل عنهم الملك الأشرف من أرض قارا ، وسار إلى تدمر ، وراسل السلطان ، فوفى له ، فقدم عليه دمشق ، فأكرمه وأقره على مملكة حمص ، فتوجه إليها . ثم غسل فعائله بالوقعة الكائنة على حمص سنة تسع وخمسين ، وثبت وكسر التتار ، فنبل قدره ، ورأى له الملك الظاهر وأعاد إليه تل باشر ، فلما قبض الظاهر على المغيث عمر المذكور في هذه السنة تخيل الأشرف من الملك الظاهر ، وشرع في إظهار أمور كامنة في نفسه . وعزم الملك الظاهر على الوثوب عليه ، فقدر الله مرضه ووفاته . ويقال إنه سقي . ذكره قطب الدين فقال : كان ملكا حازما ، كبير القدر ، يقظا ، خبيرا شجاعا ، كبير النفس ، له غور ودهاء ، وكان وافر العقل ، قليل البسط والحديث ، يقيد ألفاظه ، ويلازم الناموس حتى في خلواته ، ويحذو حذو الصالح نجم الدين أيوب . وخلف أموالا عظيمة من الجواهر والذهب والذخائر ، وتسلم الظاهر بلاده وحواصله . توفي في صفر بحمص وله خمس وثلاثون سنة ، ودفن بتربة جده الملك المجاهد .
تاريخ الإسلام — صفحة 116 | الذهبي / عمر عبد السلام التدمري