وفي سنة تسعين انتقض ما بينه وبين الأذفنش من العهد ، وعاثت الفرنج في الأندلس ، فتجهز أبو يوسف وأخذ في العبور ، فعبر في جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين ، ونزل بإشبيلية ، )
فعرض جيوشه ، وقسم الأموال ، وقصد العدو المخذول ، فتجهز الأذفنش في جموع ضخمة ، فالتقوا بفحص الحديد ، وكان الأذفنش قد جمع جموعاً لم يجتمع له مثلها قط ، فلما تراءى الجمعان اشتد خوف الموحدين ، وأمير المؤمنين يعقوب في ذلك كله لا مستند له إلا الدعاء ، والاستعانة بكل من يظن أنه صالح ، فتواقعوا في ثالث شعبان ، فنصر الله الإسلام ، ومنح أكتاف الروم ، حتى لم نج الفنش ، إلا في نحو من ثلاثين نفساً من وجوه أصحابه . واستشهد يومئذ جماعة من الأعيان ، منهم الوزير أبو بكر ابن عبد الله ابن الشيخ عمر اينتي ، وأتى أبو يوسف قلعة رباح وقد هرب أهلها ، فدخلها وجعل كنيستها مسجداً واستولى على ما حول طليطلة من الحصون ، ورد إلى إشبيلية .
ثم قصد الروم من إشبيلية في سنة اثنتين وتسعين ، فنزل على مدينة طليطلة بجيوشه ، فقطع أشجارها ، وأنكى في الروم نكاية بينة ورجع . ثم عاد في المرة الثالثة ، وتوغل في بلاد الروم ، ووصل إلى مواضع لم يصل إليها ملك من ملوك المسلمين ، ورجع ، فأرسل الأذفنش يطلب المهادنة ، فهادنه عشر سنين ، وعبر بعد هذا إلى مراكش في سنة أربع وتسعين .
قال : وبلغني عن غير واحد أنه صرح للموحدين بالرحلة إلى المشرق ، وجعل يذكر لهم البلاد المصرية وما فيها من المناكير والبدع ويقول : نحن إن شاء الله مطهروها . ولم يزل هذا عزمه إلى أن مات في صدر سنة خمس .
وكان في جميع أيامه مؤثراً للعدل بحسب طاقته ، وبما يقتضيه إقليمه والأمة التي هو فيها .
وكان يتولى الإمامة بنفسه في الصلوات الخمس أشهراً إلى أن أبطأ يوماً
تاريخ الإسلام — صفحة 218
مساهمون: الذهبي
ص٢١٨