تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
وذكر أبو جعفر القرطبي إمام الكلاسة أنه لما انتهى في القراءة إلى قوله تعالى : هو اللَّه الذي لا إله إلاهو عالم الغيب والشهادة سمعه وهو يقول : صحيح . وكان ذهنه غائباً قبل ذلك . ثم توفي وهذه يقظة عند الحاجة . وغسله الدولعي ، وأخرج في تابوت ، وصلى عليه القاضي محيي الدّين بن الزكي ، وأعيد إلى الدار التي في البستان التي كان متمرضاً فيها . ودفن بالضفة الغربية منها . وارتفعت الأصوات بالبكاء ، وعظم الضجيج ، حتى إن العاقل يتخيل أن الدنيا كلها تصبح صوتاً واحداً . وغشي الناس من البكاء والعويل ما شغلهم عن الصلاة ، وصلى عليه الناس أرسالاً ، وتأسف الناس عليه ، حتى الفرنج ، لما كان عليه من صدق وفائه إذا عاهد . ثم بنى ولده الأفضل صاحب دمشق قبة شمالية إلى الجامع ، وهي التي شباكها القبلي إلى الكلاسة ، ونقله إليها يوم عاشوراء من سنة اثنتين وتسعين ، ومشى بين يدي تابوته . وأراد العلماء حمله على أعناقهم ، فقال الأفضل : يكفيه أدعيتكم الصالحة . وحمله مماليكه ، وأخرج إلى باب البريد ، فصلى عليه قدام النسر . وتقدم في الأمانة القاضي محيي الدّين بإذن ولده . ودخل الأفضل لحده وأودعه وخرج ، وسد الباب . وجلس هناك للعزاء ثلاثة أيام ، وذلك خلاف العادة ، وخلاف السنة . كان رحمه اللَّه كريماً ، جواداً ، بطلاً ، شجاعاً ، كامل العقل والقوى ، شديد الهيبة ، افتتح بسيفه وبأقاربه من اليمين إلى الموصل ، إلى أوائل المغرب ، إلى أسوان . وفي الروضتين لأبي شامة إن السّلطان رحمه اللَّه لم يخلف في خزائنه من الذهب والفضة إلا سبعةً وأربعين درهماً ، وديناراً واحداً صورياً . ولم يخلف ملكاً ولا عقاراً ، وخلف سبعة عشر ولداً ذكراً ، وابنة صغيرة .
تاريخ الإسلام — صفحة 353 | الذهبي / عمر عبد السلام التدمري