تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام — صفحة 444

مساهمون:

ص٤٤٤
الله ، حزينا ، فقال : هل رأيت ملكاً قبلي فعل مثل هذا فبكى القاضي وقال : والله ما ظننت أن الشيطان يبلغ منك هذا مع ما آتاك الله من الفضل ، حتى أنزلك منازل الكافرين . فاقشعر من قوله ، وقال : وكيف أنزلني منازل الكافرين قال : أليس الله يقول : ولولا أن يكون الناس أمةً واحدةً لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضةٍ وتلا الآية كلها . فوجم عبد الرحمن ونكس رأسه ملياً ودموعه تسيل على لحيته خشوعاً لله تعالى وقال : جزاك الله خيراً ، فالذي قلته الحق . وقام يستغفر الله ، وأمر بنقض السقف الذي للقبة . وكان كلفاً بعمارة بلاده ، وإقامة معالمها ، وإنباط مياهها ، وتخليد الآثار الغريبة الدالة على قوة ملكه . وقد استفرغ الوسع في إتقان قصور الزهراء وزخرفتها . وقد أصابهم قحطٌ ، وأراد الناس الاستسقاء ، فجاء عبد الرحمن الناصر رسولٌ من القاضي منذر بن سعيد ، رحمه الله ، يحركه للخروج ، فقال الرسول لبعض الخدم : يا ليت شعري ما الذي يصنعه الأمير فقال : ما رأيته أخشع لله منه في يومنا هذا ، وأنه منفردٌ بنفسه ، لابسٌ أخشن ثيابه ، يبكي ويعترف بذنوبه ، وهو يقول : هذه ناصيتي بيدك ، أتراك تعذب الرعية من أجلي وأنت أحكم الحاكمين ، لن يفوتك شيء مني . فتهلل وجه القاضي لما بلغه هذا ، وقال : يا غلام أحمل الممطر معك ، فقد أذن الله بسقيانا . إذا خشع جبار الأرض رحم جبار السماء . فخرج ، وكان كما قال . وكان عبد الرحمن يرجع إلى دين متين وحسن خلق . وكان فيه دعابة . وكان مهيباً شجاعاً صارماً ، ولم يتسم أحدٌ بأمير المؤمنين من أجداده . إنما يخطب لهم بالإمارة فقط . فلما كان سنة سبع عشرة وثلاثمائة ، وبلغه
تاريخ الإسلام — صفحة 444 | الذهبي / عمر عبد السلام التدمري