تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
قال الطهماني : والأقطع هذا كان كافراً عاتياً ، شديد العداوة للمسلمين ، قد أثر على أهل الثغور ، وألح عن أهل خوارزم ، وكان ولاة خوارزم يتألفونه ، ويبعثون إليه بمالٍ وألطاف وأنه أقبل مرة في خيوله فعاث وأفسد وقتل ) فأنهض إليه ابن طاهر أربعة من القواد . وأن وادي جيحون ، وهو الذي في أعلى نهر بلخ ، وهو وادي عظيم ، شديد الطغيان ، كثير الآفات ، وإذا امتد كان عرضه نحواً من فرسخ ، وإذا جمد انطبق ، فلم يوصل منه إلى شيء ، حتى يحفر فيه ، كما تحفر الآبار في الصخور . وقد رأيت كثف الجمد عشرة أشبار . فأخبرت أنه كان فيما خلا يزيد على عشرين شبراً ، وإذا هو انطبق صار الجمد جسراً لأهل البلد ، يسير على القوافل والعجل ، وربما بقي الجمد مائة وعشرين يوماً ، وأقله سبعون يوماً . قالت المرأة : فعبر الكافر ، وصار إلى باب الحصين ، فأراد الناس الخروج لقتاله ، فمنعهم العامل دون أن يتوافى العسكر . فشد طائفة من شبان الناس ، فتقاربوا من السور ، وحملوا على الكفرة ، فتهازموا ، واستجروهم بين البيوت ، ثم كروا عليهم ، وصار المسلمون في مثل الحرجة فحاربوا أشد حرب ، وثبتوا حتى تقطعت الأوتار ، وأدركهم اللغوب والجوع والعطش ، وقتل عامتهم ، وأثخن من بقي . فلما جن عليهم الليل ، تحاجز الفريقان . قالت : ورفعت النيران من المناظر ساعة عبور الكافر ، فاتصلت بجرجانية خوارزم ، وكان بها ميكال مولى طاهر في عسكر ، فخف وركض إلى حصننا في يوم وليلة أربعين فرسخاً ، وغدا الترك للفراغ من أمر أولئك ، فبينا هم كذلك إذا ارتفعت بهم الأعلام السود ، وسمعوا الطبول ، فأفرجوا عن القوم ، ووافى ميكال موضع المعركة ، فارتث القتلى ، وحمل الجرحى ، ودخل الحصن عشيئذ زهاء أربعمائة جنازة ، وارتجت الناحية بالبكاء والنوح ، ووضع زوجي بين يدي قتيلاً ، فأدركني من الجزع والهلع عليه ما يدرك المرأة الشابة المسكينة ، على زوج أبي أولاد ، وكاسب عيال . فاجتمع الناس من قراباتي والجيران ، وجاء الصبيان ، وهم أطفال يطلبون الخبز ، وليس عندي ما أعطيهم ، فضقت صدراً ، فنمت ، فرأيت كأني في أرض حسناء ذات حجارة وشوك ، أهيم فيها والهة حزناً أطلب زوجي ،
تاريخ الإسلام — صفحة 219 | الذهبي / عمر عبد السلام التدمري