ضمير يعود على الله ، وليكون المبدأ مسنداً إلى الاسم الظاهر والمنتهى كذلك . ولما كان الغفران وإتمام النعمة والهداية والنصر يشترك في إطلاقها الرسول صلى الله عليه وسلم ) وغيره بقوله تعالى : * ( وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ) * ، وقوله : * ( إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ ) * ؛ وكان الفتح لم يبق لأحد إلا للرسول صلى الله عليه وسلم ) ، أسنده تعالى إلى نون العظمة تفخيماً لشأنه ، وأسند تلك الأشياء الأربعة إلى الاسم الظاهر ، واشتركت الخمسة في الخطاب له صلى الله عليه وسلم ) ، تأنيساً له وتعظيماً لشأنه . ولم يأت بالاسم الظاهر ، لأن في الإقبال على المخاطب ما لا يكون في الاسم الظاهر .
* ( هُوَ الَّذِى أَنزَلَ السَّكِينَةَ ) * : وهي الطمأنينة والسكون ؛ قيل : بسبب الصلح والأمن ، فيعرفون فضل الله عليهم بتيسير الأمن بعد الخوف ، والهدنة بعد القتال ، فيزدادوا يقيناً إلى يقينهم . وقيل : السكينة إشارة إلى ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ) من الشرائع ، ليزدادوا إيماناً بها إلى إيمانهم ، وهو التوحيد ؛ روي معناه عن ابن عباس . وقيل : الوقار والعظمة لله ولرسوله . وقيل : الرحمة ليتراحموا ، وقاله ابن عباس . * ( وَلِلَّهِ جُنُودُ * السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ ) * : إشارة إلى تسليم الأشياء إليه تعالى ، ينصر من شاء ، وعلى أي وجه شاء ، ومن جنده السكينة ثبتت قلوب المؤمنين . * ( لّيُدْخِلَ ) * : هذه اللام تتعلق ، قيل : بإنا فتحنا لك . وقيل : بقوله : * ( لِيَزْدَادُواْ ) * . فإن قيل : * ( وَيُعَذّبَ ) * عطف عليه ، والازدياد لا يكون سبباً لتعذيب الكفار ، أجيب عن هذا بأنه ذكر لكونه مقصوداً للمؤمن ، كأنه قيل : بسبب ازديادكم في الأيمان يدخلكم الجنة ويعذب الكفار بأيديكم في الدنيا . وقيل : بقوله : * ( وَيَنصُرَكَ اللَّهُ ) * : أي بالمؤمنين . وهذه الأقوال فيها بعد . وقال الزمخشري : * ( وَلِلَّهِ جُنُودُ * السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ ) * ، يسلط بعضها على بعض ، كما يقتضيه علمه وحكمته . ومن قضيته أن صلح قلوب المؤمنين بصلح الحديبية ، وإن وعدهم أن يفتح لهم ، وإنما قضى ذلك ليعرف المؤمنون نعمة الله فيه ويشكرون ، فيستحقوا الثواب ، فيثيبهم ، ويعذب الكافرين والمنافقين ، لما غاظهم من ذلك وكرهوه . انتهى . ولا يظهر من كلامه هذا ما تتعلق به اللام ؛ والذي يظهر أنها تتعلق بمحذوف يدل عليه الكلام ، وذلك أنه قال : * ( وَلِلَّهِ جُنُودُ * السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ ) * . كان في ذلك دليل على أنه تعالى يبتلي يتلك الجنود من شاء ، فيقبل الخير من قضى له بالخير ، والشر من قضى له بالشر . * ( لّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ ) * جنات ، ويعذب الكفار . فاللام تتعلق بيبتلي هذه ، وما تعلق بالابتلاء من قبول الإيمان والكفر . * ( وَيُكَفّرْ ) * : معطوف على ليدخل ، وهو ترتيب في الذكر لا ترتيب في الوقوع . وكان التبشير بدخول الجنة أهم ، فبدىء به . ولما كان المنافقون أكثر ضرراً على المسلمين من المشركين ، بدىء بذكرهم في التعذيب .
* ( الظَّانّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْء ) * : الظاهر أنه مصدر أضيف إلى ما يسوء المؤمنين ، وهو أن المشركين يستأصلونهم ولا ينصرون ، ويدل عليه : * ( عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْء ) * ، و * ( بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً ) * . وقيل : * ( ظَنَّ السَّوْء ) * : ما يسوء المشركين من إيصال الهموم إليهم ، بسبب علو كلمة الله ، وتسليط رسوله قتلاً وأسراً ونهباً . ثم أخبر أنهم يستعلي عليهم السوء ويحيط بهم ، فاحتمل أن يكون خبراً حقيقة ، واحتمل أن يكون هو وما بعده دعاء عليهم . وتقدم الكلام على هذه الجملة في سورة براءة . وقيل : * ( ظَنَّ السَّوْء ) * يشمل ظنونهم الفاسد من الشرك ، كما قال : * ( إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ ) * ، ومن انتفاء رؤية الله تعالى الأشياء وعلمه بها كما قال : * ( وَلَاكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً ) * بطلان خلق العالم ، كما قال : * ( ذالِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ ) * . وقيل : السوء هنا كما تقول : هذا فعل سوء . وقرأ الحسن : السوء فيهما بضم السين .
* ( وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ) * : لما تقدم تعذيب الكفار والانتقام منهم ، ناسب ذكر العزة . ولما وعد تعالى بمغيبات ، ناسب ذكر العلم ، وقرن باللفظتين ذكر جنود السماوات والأرض ؛ فمنها السكينة التي للمؤمنين والنقمة للمنافقين والمشركين ، ومن جنود الله الملائكة في السماء ، والغزاة في سبيل الله في الأرض . وقرأ
تفسير البحر المحيط — صفحة 91
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٩١