نزل ذلك في أبي جهل ومصعب بن عمير العبدري ، رضي الله تعالى عنه . وعنه أيضاً : * ( فَأَمَّا مَن طَغَى ) * ، فهو أخ لمصعب بن عمير ، أسر فلم يشدوا وثاقه ، وأكرموه وبيتوه عندهم ؛ فلما أصبحوا حدثوا مصعباً ، فقال : ما هو لي بأخ ، شدوا أسيركم ، فإن أمه أكثر أهل البطحاء حلياً ومالاً فأوثقوه . * ( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ ) * فمصعب بن عمير ، وقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) بنفسه يوم أُحد حين تفرّق الناس عنه حتى نفذت المشاقص في جوفه ، وهي السهام . فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم ) متشحطاً في دمه قال : ( عند الله أحتسبك ) ، وقال لأصحابه : ( لقد رأيته وعليه بردان ما تعرف قيمتهما ، وإن شراك نعله من ذهب ) . قيل : واسم أخيه عامر . وفي الكشاف ، وقيل : الآيتان نزلتا في أبي عزير بن عمير ومصعب بن عمير ، وقد قتل مصعب أخاه أبا عزير يوم أُحد ، ووقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) بنفسه حتى نفذت المشاقص في جوفه . انتهى .
* ( يَسْأَلُونَكَ ) * : أي قريش ، وكانوا يلحون في البحث عن وقت الساعة ، إذ كان يتوعدهم بها ويكثر من ذلك ، فنزلت هذه الآية . * ( أَيَّانَ مُرْسَاهَا ) * : متى إقامتها ؟ أي متى يقيهما الله ويثبتها ويكونها ؟ وقيل : أيان منتهاها ومستقرها ؟ كما أن مرسى السفينة ومستقرها حيث تنتهي إليه . * ( فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا ) * ، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يسأل عن الساعة كثيراً ، فلما نزلت هذه الآية . انتهى . والمعنى : في أي شيء أنت من ذكر تحديدها ووقتها ؟ أي لست من ذلك في شيء ، * ( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ ) * . * ( إِلَى رَبّكَ مُنتَهَاهَا ) * : أي انتهاء علم وقتها ، لم يؤت علم ذلك أحداً من خلقه . وقيل : * ( فِيمَ ) * إنكار لسؤالهم ، أي فيم هذا السؤال ؟ ثم قال : * ( أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا ) * ، وعلامة من علاماتها ، فكفاهم بذلك دليلاً على دنوها ومشارفتها ووجوب الاستعداد لها ، ولا معنى لسؤالهم عنها .
* ( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا ) * : أي لم تبعث لتعلمهم بوقت الساعة الذي لا فائدة لهم في علمه ، وإنما بعثت لتنذر من أهوالها من يكون إنذارك لطفاً به في الخشية منها . انتهى . وهذا القول حكاه الزمخشري وزمكه بكثرة ألفاظه ، وهو تفكيك للكلام وخروج عن الظاهر المتبادر إلى الفهم ، ولم يخله من دسيسة الاعتزال . وقرأ الجمهور : * ( مُنذِرُ مَن ) * بالإضافة . وقرأ عمر بن عبد العزيز وأبو جعفر وشيبة وخالد الحذاء وابن هرمز وعيسى وطلحة وابن محيصن وأبو عمر في رواية وابن مقسم : منذر بالتنوين . وقال الزمخشري : وقرئ منذرر بالتنوين ، وهو الأصل والإضافة تخفيف ، وكلاهما يصلح للحال والاستقبال ؛ فإذا أريد الماضي ، فليس إلا الإضافة ، كقولك : هو منذر زيد أمس . انتهى . أما قوله : وهو الأصل ، يعني التنوين ، فهو قول قد قاله غيره ممن تقدم . وقد قررنا في هذا الكتاب ، وفيما كتبناه في هذا العلم أن الأصل الإضافة ، لأن العمل إنما هو بالشبه ، والإضافة هي أصل في الأسماء . وأما قوله : فإذا أريد الماضي ، فليس إلا الإضافة ، فهذا فيه تفصيل وخلاف مذكور في علم النحو . وخص * ( مَن يَخْشَاهَا ) * لأنه هو المنتفع بالإنذار . * ( كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا ) * : تقريب وتقرير لقصر مقامهم في الدنيا . * ( لَمْ ) * : لم يقيموا في الدنيا ، * ( يَلْبَثُواْ إِلاَّ عَشِيَّةً ) * : يوم أو بكرته ، وأضاف الضحى إلى العشية لكونها طرفي النهار . بدأ بذكر أحدهما ، فأضاف الآخر إليه تجوّزاً واتساعاً ، وحسن الإضافة كون الكلمة فاصلة ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
تفسير البحر المحيط — صفحة 416
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٤١٦