هذه السورة مكية . ومناسبتها لما قبلها : أن في آخر ما قبلها قوله : * ( كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ الاْخِرَةَ * كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ) * ، وفيها كثير من أحوال القيامة ، فذكر هنا يوم القيامة وجملاً من أحوالها . وتقدّم الكلام في * ( لاَ أُقْسِمُ ) * . والخلاف في لا ، والخلاف في قراآتها في أواخر الواقعة . أقسم تعالى بيوم القيامة لعظمه وهو له . و * ( لاَ أُقْسِمُ ) * ، قيل : لا نافية ، نفى أن يقسم بالنفس اللوّامة وأقسم بيوم القيامة ، نص على هذا الحسن ؛ والجمهور : على أن الله أقسم بالأمرين . واللوّامة ، قال الحسن : هي التي تلوم صاحبها في ترك الطاعة ونحوها ، فهي على هذا ممدوحة ، ولذلك أقسم الله بها . وروي نحوه عن ابن عباس وعن مجاهد ، تلوم على ما فات وتندم على الشر لم فعلته ، وعلى الخير لم لم تستكثر منه . وقيل : النفس المتقية التي تلوم النفوس في يوم القيامة على تقصيرهنّ في التقوى . وقال ابن عباس وقتادة : هي الفاجرة الخشعة اللوّامة لصاحبها على ما فاته من سعي الدنيا وأعراضها ، فهي على هذا ذميمة ، ويحسن نفي القسم بها . والنفس اللوّامة : اسم جنس بهذا الوصف . وقيل : هي نفس معينة ، وهي نفس آدم عليه السلام ، لم تزل لائمة له على فعله الذي أخرجه من الجنة . قال ابن عطية : وكل نفس متوسطة ليست بمطمئنة ولا أمّارة بالسوء فإنها لوّامة في الطرفين ، مرّة تلوم على ترك الطاعة ، ومرّة تلوم على فوت ما تشتهي ، فإذا اطمأنت خلصت وصفت . انتهى . والمناسبة بين القسمين من حيث أحوال النفس من سعادتها وشقاوتها وظهور ذلك في يوم القيامة ، وجواب القسم محذوف يدل عليه يوم القيامة المقسم به وما بعده من قوله : * ( أَيَحْسَبُ ) * الآية ، وتقديره لتبعثن . وقال الزمخشري : فإن قلت : قوله تعالى : * ( فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ ) * ، والأبيات التي أنشدتها المقسم عليه فيها منفي ، وكان قد أنشد قول امرئ القيس :
* لا وأبيك ابنة العامري
*
لا يدعي القوم إني أفرّ
*
وقول غوية بن سلمى :
* ألا نادت أمامة باحتمالي
*
لتحزنني فلا بك ما أبالي
*
قال : فهلا زعمت أن لا التي للقسم زيدت موطئة للنفي بعده ومؤكدة له ، وقدرت المقسم عليه المحذوف ههنا منفياً ، نحو قولك : * ( لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ) * ، لا تتركون سدى ؟ قلت : لو قصروا الأمر على النفي دون الإثبات لكان لهذا القول مساغ ، ولكنه لم يقسم . ألا ترى كيف لقي * ( لاَ أُقْسِمُ بِهَاذَا الْبَلَدِ ) * بقوله : * ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِى كَبَدٍ ) * ، وكذلك * ( فَلاَ أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ) * ، * ( إِنَّهُ لَقُرْءانٌ كَرِيمٌ ) * ؟ ثم قال الزمخشري : وجواب القسم ما دل عليه قوله : * ( أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن * لَنْ * نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ) * ، وهو لتبعثن . انتهى ، وهو تقدير النحاس . وقول من قال جواب القسم هو : * ( أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ ) * . وما روي عن الحسن أن الجواب : * ( بَلَى قَادِرِينَ ) * ، وما قيل أن لا في القسمين لنفيهما ، أي لا أقسم على شيء ، وأن التقدير : أسألك أيحسب الإنسان ؟ أقوال لا تصلح أن يرد بها ، بل تطرح ولا يسود بها الورق ، ولولا أنهم سردوها في الكتب لم أنبه عليها . والإنسان هنا الكافر المكذب بالبعث . روي أن عدي بن ربيعة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ) : يا محمد ، حدّثني عن يوم القيامة متى يكون أمره ؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك ولم أؤمن به ، أو يجمع الله هذه العظام بعد بلاها ، فنزلت . وقيل : نزلت في أبي جهل ، كان يقول : أيزعم محمد صلى الله عليه وسلم ) أن يجمع الله هذه العظام بعد بلاها وتفرّقها فيعيدها خلقا
تفسير البحر المحيط — صفحة 375
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٣٧٥