المعنى نفي الشفاعة فانتفى النفع ، أي لا شفاعة شافعين لهم فتنفعهم من باب :
على لاحب لا يهتدي بمناره
أي : لا منار له فيهتدي به . وتخصيصهم بانتفاء شفاعة الشافعين يدل على أنه قد تكون شفاعات وينتفع بها ، ووردت أحاديث في صحة ذلك . * ( فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ ) * : وهي مواعظ القرآن التي تذكر الآخرة ، * ( مُعْرِضِينَ ) * : أي والحال المنتظرة هذه الموصوفة . ثم شبههم بالحمر المستنفرة في شدة إعراضهم ونفارهم عن الإيمان وآيات الله تعالى . وقرأ الجمهور : * ( حُمُرٌ ) * بضم الميم ؛ والأعمش : بإسكانها . قال ابن عباس : المراد الحمر الوحشية ، شبههم تعالى بالحمر مذمة وتهجيناً لهم . وقرأ نافع وابن عامر والمفضل عن عاصم : * ( مُّسْتَنفِرَةٌ ) * بفتح الفاء ، والمعنى : استنفرها : فزعها من القسورة ؛ وباقي السبعة : بكسرها ، أي نافرة نفر ، واستنفر بمعنى عجب واستعجب وسر واستسخر ، ومنه قول الشاعر :
* أمسك حمارك إنه مستنفر
*
في إصر أحمرة عهدن لعرّب
*
ويناسب الكسر قوله : * ( فَرَّتْ ) * . وقال محمد بن سلام : سألت أبا سرار العتوي ، وكان أعرابياً فصيحاً ، فقلت : كأنهم حمر ماذا مستنفرة طردها قسورة ؟ فقلت : إنما هو * ( فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ ) * ، قال : أفرّت ؟ قلت : نعم ، قال : فمستنفرة إذن . قال ابن عباس وأبو موسى الأشعري وقتادة وعكرمة : القسورة : الرماة . وقال ابن عباس أيضاً وأبو هريرة وجمهور من اللغويين : الأسد . وقال ابن جبير : رجال القنص ، وهو قريب من القول الأول ، وقاله ابن عباس أيضاً . وقال ابن الأعرابي : القسورة أول الليل ، والمعنى : فرّت من ظلمة الليل ، ولا شيء أشدّ نفاراً من حمر الوحش ، ولذلك شبهت بها العرب الإبل في سرعة سيرها وخفتها .
* ( بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِىء مّنْهُمْ ) * : أي من المعرضين عن عظات الله وآياته ، * ( أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً ) * : أي منشورة غير مطوية تقرأ كالكتب التي يتكاتب بها ، أو كتبت في السماء نزلت بها الملائكة ساعة كتبت رطبة لم تطو بعد ، وذلك أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ) : لن نتبعك حتى يؤتي كل واحد منا بكتاب من السماء عنوانه : من رب العالمين إلى فلان بن فلان ، يؤمر فيها باتباعك ، ونحوه * ( لَن نُّؤْمِنَ * لِرُقِيّكَ حَتَّى تُنَزّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَءهُ ) * . وروي أن بعضهم قال : إن كان يكتب في صحف ما يعمل كل إنسان ، فلتعرض تلك الصحف علينا ، فنزلت هذه الآية . وقرأ الجمهور : * ( صُحُفاً ) * بضم الصاد والحاء ، * ( مُّنَشَّرَةً ) * مشدّداً ؛ وابن جبير : بإسكانها منشرة مخففاً ، ونشر وأنشر مثل نزل وأنزل . شبه نشر الصحيفة بإنشار الله الموتى ، فعبر عنه بمنشرة من أنشرت ، والمحفوظ في الصحيفة والثوب نشر مخففاً ثلاثياً ، ويقال في الميت : أنشره الله فنشر هو ، أي أحياه فحيي .
* ( كَلاَّ ) * : ردع عن إرادتهم تلك وزجر لهم عن اقتراح الآيات ، * ( بَل لاَّ يَخَافُونَ الاْخِرَةَ ) * ، ولذلك أعرضوا عن التذكرة لا لامتناع إيتاء الصحف . وقرأ الجمهور : * ( يَخَافُونَ ) * بياء الغيبة ؛ وأبو حيوة : بتاء الخطاب التفاتاً . * ( كَلاَّ ) * : ردع عن إعراضهم عن التذكرة ، * ( إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاء ذَكَرَهُ ) * : ذكر في إنه وفي ذكره ، لأن التذكرة ذكر . وقرأ نافع وسلام ويعقوب : تذكرة بتاء الخطاب ساكنة الذال ؛ وباقي السبعة وأبو جعفر والأعمش وطلحة وعيسى والأعرج : بالياء . وروي عن أبي حيوة : يذكرون بياء الغيبة وشد الذال . وروي عن أبي جعفر : تذكرون بالتاء وإدغام التاء في الذال . * ( هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى ) * : أي أهل أن يتقي ويخاف ، وأهل أن يغفر . وروى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ) فسر هذه الآية فقال : ( يقول لكم ربكم جلت قدرته وعظمته : أنا أهل أن أتقى ، فلا يجعل يتقى إله غيري ، ومن اتقى أن يجعل معي إلهاً غيري فأنا أغفر له ) . وقال الزمخشري : في قوله تعالى * ( وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ ) * ، يعني : إلا أن يقسرهم على الذكر ويلجئهم إليه ، لأنهم مطبوع على قلوبهم معلوم أنهم لا يؤمنون إختياراً .
تفسير البحر المحيط — صفحة 372
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٣٧٢