ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاْسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ * لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِئُونَ ) * .
أما : حرف تفصيل فصل بها ما وقع في يوم العرض . ويظهر أن من قضى عليه دخول النار من الموحدين ، أنه في يوم العرض يأخذ كتابه بيمينه مع الناجين من النار ، ويكون ذلك يأنس به مدة العذاب . وقيل : لا يأخذه حتى يخرج من النار ، وإيمانه أنيسه مدة العذاب . قيل : وهذا يظهر لأن من يسار به إلى النار كيف يقول : * ( هَاؤُمُ اقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ ) * ؟ وهل هذا إلا استبشار وسرور ؟ فلا يناسب دخول النار . وهاؤم إن كان مدلولها خذ ، فهي متسلطة على كتابيه بغير واسطة ، وإن كان مدلولها تعالوا ، فهي متعدية إليه بواسطة إلى ، وكتابيه يطلبه هاؤم واقرؤا . فالبصريون يعملون اقرؤا ، والكوفيون يعملون هاؤم ، وفي ذلك دليل على جواز التنازع بين اسم الفعل والقسم . وقرأ الجمهور : * ( كِتَابيَهْ ) * ، و * ( حِسَابِيَهْ ) * في موضعيهما و * ( مَالِيَهْ ) * و * ( سُلْطَانِيَهْ ) * ، وفي القارعة : * ( * ماهية ) * بإثبات هاء السكت وقفاً ووصلاً لمراعاة خط المصحف . وقرأ ابن محيصن : بحذفها وصلاً ووقفاً وإسكان الياء ، وذلك كتابي وحسابي ومالي وسلطاني ، ولم ينقل ذلك فيما وقفت عليه في * ( * ماهية ) * في القارعة ؛ وابن أبي إسحاق والأعمش : بطرح الهاء فيهما في الوصل لا في الوقف ، وطرحهما حمزة في مالي وسلطاني وما هي في الوصل لا في الوقف ، وفتح الياء فيهن . وما قاله الزهراوي من أن إثبات الهاء في الوصل لحن لا يجوز عند أحد علمته ليس كما قال ، بل ذلك منقول نقل التواتر فوجب قبوله .
* ( كِتَابيَهْ إِنّى ظَنَنتُ ) * : أي أيقنت ، ولو كان ظناً فيه تجويز لكان كفراً . * ( فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ) * : ذات رضا . وقال أبو عبيدة والفراء : راضية مرضية كقوله : * ( مِن مَّاء دَافِقٍ ) * ، أي مدفوق . * ( فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ) * : أي مكاناً وقدراً . * ( قُطُوفُهَا ) * : أي ما يجني منها ، * ( دَانِيَةٌ ) * : أي قريبة التناول يدركها القائم والقاعد والمضطجع بفيه من شجرتها . * ( كُلُواْ وَاشْرَبُواْ ) * : أي يقال ، و * ( هَنِيئَاً ) * ، تقدم الكلام عليه في أول النساء . وقال الزمخشري : هنيئاً أكلاً وشرباً هنيئاً ، أو هنيتم هنيئاً على المصدر . انتهى فقوله : أكلاً وشرباً هنيئاً يظهر منه جعل هنيئاً صفة لمصدرين ، ولا يجوز ذلك إلا على تقدير الإضمار عند من يجيز ذلك ، أي أكلاً هنيئاً وشرباً هنيئاً . * ( بِمَا أَسْلَفْتُمْ ) * : أي قدمتم من العمل الصالح ، * ( فِى الاْيَّامِ الْخَالِيَةِ ) * : يعني أيام الدنيا . وقال مجاهد وابن جبير ووكيع وعبد العزيز بن رفيع : أيام الصوم ، أي بدل ما أمسكتم عن الأكل والشرب لوجه الله تعالى . والظاهر العموم في قوله : * ( بِمَا أَسْلَفْتُمْ ) * : أي من الأعمال الصالحة .
* ( فَيَقُولُ يالَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ ) * : لما رأى فيه قبائح أفعاله وما يصير أمره إليه ، تمنى أنه لم يعطه ، وتمنى أنه لم يدر حسابه ، فإنه انجلى عنه حسابه عن ما يسوءه فيه ، إذ كان عليه لا له . * ( * يا ليتها ) * : أي الموتة التي متها في الدنيا ، * ( حِسَابِيَهْ يالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ) * : أي القاطعة لأمري ، فلم أبعث ولم أعذب ؛ أو يا ليت الحالة التي انتهيت إليها الآن كانت الموتة التي منها في الدنيا ، حيث رأى أن حالته التي هو فيها أمر مما ذاقه من الموتة ، وكيف لا وأمره آل إلى عذاب لا ينقطع ؟ * ( مَا أَغْنَى عَنّى مَالِيَهْ ) * : يجوز أمن يكون نفياً محضاً ، أخبر بذلك متأسفاً على ماله حيث لم ينفعه ؛ ويجوز أن يكون استفهاماً وبخ به نفسه وقررها عليه . * ( هَلَكَ عَنّى سُلْطَانِيَهْ ) * : أي حجتي ، قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وعكرمة والسدي . وقال ابن زيد : يقول ذلك ملوك الدنيا . وكان عضد الدولة ابن نوية لما تسمى بملك الأملاك غلاب القدر لم يفلح وجن ، فكان لا ينطلق لسانه إلا بقوله : * ( هَلَكَ عَنّى سُلْطَانِيَهْ ) * .
* ( خُذُوهُ ) * : أي يقال للزبانية * ( خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ) * : أي اجعلوا في عنقه غلاًّ ، * ( ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ) * ، قال الزمخشري : ثم لا تصلوه إلا الجحيم ، وهي النار العظمى ، لأنه كان سلطاناً يتعظم على الناس . يقال : صلى النار وصلاه النار . انتهى ، وإنما قدره لا تصلوه إلا الجحيم ، لأنه يزعم أن تقديم المفعول يدل على الحصر . وقد تكلمنا معه في ذلك عند قوله : * ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) * ، وليس ما قاله مذهباً لسيبويه ولا لحذاق النحاة . وأما قوله : لأنه كان سلطاناً يتعظم على الناس ، فهذا قول ابن زيد وهو مرجوح ، والراجح قول ابن عباس ومن ذكر معه : أن السلطان هنا هو الحجة التي كان يحتج بها في الدنيا ، لأن من أوتي كتابه بشماله ليس مختصاً بالملوك ، بل هو عام في جميع أهل الشقاوة .
* ( ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا ) * : أي قياسها ومقدار طولها ، * ( سَبْعُونَ ذِرَاعاً ) * : يجوز أن يراد ظاهره من العدد ، ويجوز أن يراد المبالغة في طولها
تفسير البحر المحيط — صفحة 319
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٣١٩