تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البحر المحيط — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
التغابن : تفاعل من الغبن وليس من اثنين ، بل هو من واحد ، كتواضح وتحامل . والغبن : أخذ الشيء بدون قيمته ، أو بيعه كذلك . وقيل : الغبن : الإخفاء ، ومنه غبن البيع لاستخفائه ، ويقال : غبنت الثوب وخبنته ، إذا أخذت ما طال منه عن مقدارك ، فمعناه النفص . * ( يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِى * السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاْرْضِ * لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى * شَىْء قَدِيرٌ * هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * خُلِقَ * السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ بِالْحَقّ * وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ * يَعْلَمُ مَا فِى * السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ * وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمُ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُاْ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * ذالِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيّنَاتِ فَقَالُواْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِىٌّ حَمِيدٌ * زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَى وَرَبّى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * فَئَامِنُواْ ) * . هذه السورة مدنية في قول الأكثرين . وقال ابن عباس وغيره : مكية إلا آيات من آخرها : * ( الْمُؤْمِنُونَ يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ ) * الخ ، نزلت بالمدينة . وقال الكلبي : مدينة ومكية . ومناسبة هذه السورة لما قبلها : أن ما قبلها مشتمل على حال المنافقين ، وفي آخرها خطاب المؤمنين ، فأتبعه بما يناسبه من قوله : * ( هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ ) * ، هذا تقسيم في الإيمان والكفر بالنظر إلى الاكتساب عند جماعة من المتأولين لقوله : كل مولود يولد على الفطرة ، وقوله تعالى : * ( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) * . وقيل : ذانك في أصل الخلقة ، بدليل ما في حديث النطفة من قول الملك : أشقيّ أم سعيد ؟ والغلام الذي قتله الخضر عليه السلام أنه طبع يوم طبع كافراً . وما روى ابن مسعود أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( خلق الله فرعون في البطن كافراً ) . وحكى يحيى بن زكريا : في البطن مؤمناً . وعن عطاء بن أبي رباح : * ( فَمِنكُمْ كَافِرٌ ) * بالله ، * ( مُؤْمِنٍ ) * بالكواكب ؛ ومؤمن بالله وكافر بالكوكب . وقدّم الكافر لكثرته . ألا ترى إلى قوله تعالى : * ( وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ ) * ؟ وحين ذكر الصالحين قال : * ( وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ) * . وقال الزمخشري : فمنكم آت بالكفر وفاعل له ، ومنكم آت بالإيمان وفاعل له ، كقوله تعالى : * ( وَجَعَلْنَا فِى ذُرّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فَاسِقُونَ ) * ، والدليل عليه قوله تعالى : * ( وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) * : أي عالم بكفركم وإيمانكم اللذين هما من قبلكم ، والمعنى : الذي تفضل عليكم بأصل النعم الذي هو الخلق والإيجاد عن العدم ، فكان يجب أن تنظروا النظر الصحيح ، وتكونوا بأجمعكم عباداً شاكرين . انتهى ، وهو على طريقة الاعتزال . وقال أيضاً : وقيل : * ( هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ ) * بالخلق : هم الدهرية ، * ( وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ ) * به . وعن الحسن : في الكلام حذف دل عليه تقديره : ومنكم فاسق ، وكأنه من كذب المعتزلة على الحسن . وتقدم الجار والمجرور في قوله : * ( لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ) * ، قال الزمخشري : ليدل بتقدمهما على معنى اختصاص الملك والحمد بالله عز وجل ، وذلك لأن الملك على الحقيقة له ، لأنه مبدىء كل شيء ومبدعه ، والقائم به المهيمن عليه ؛ وكذلك الحمد ، لأن أصول النعم وفروعها منه . وأما ملك غيره فتسليط منه ، وحمده اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده . وقرأ الجمهور : * ( صُوَرَكُمْ ) * بضم الصاد ؛ وزيد بن عليّ وأبو رزين : بكسرها ، والقياس الضم ، وهذا تعديد للنعمة في حسن
تفسير البحر المحيط — صفحة 273 | أبي حيان الأندلسي / الشيخ عادل أحمد عبد الموجود - الشيخ علي محمد معوض / زكريا عبد المجيد النوقي و أحمد النجولي الجمل